من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٤ - لا تتولوا قوما غضب الله عليهم
أساس موقفهم السلبي ضد الدين وأتباعه.
والبر عموم الإحسان، ومنه التواصل، وتبادل الاحترام، ومقابلة الإحسان بمثله، أما القسط فقد قيل: هو اقتطاع بعض المال وإعطاؤه لهم قرضا أو غيره. والأظهر أنه العدالة الظاهرية والباطنة التي هي أسمى درجات العدل [١] وهذا الحكم الإلهي يبين كيف أن مجرد الكفر واعتناق المبادئ المغايرة للدين ليس وحده مبررا لاستباحة حرمة الإنسان ماله وعرضه ونفسه حيث أن الكفار لا يساوق هدر الحرمات والحقوق، وإنما هو العداء، وفي نهاية الآية يحث ربنا على الإقساط إذ يقول إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ويريد للمؤمنين به أن يكونوا كذلك، ولعل قوله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ تخصيص للقسط بالذات على وجه الترجيح له على البر. وحيث يبيح ربنا هذا اللون من العلاقة مع الكفار المسالمين فإنه لا يفرض قيدا محددا على المؤمنين، وذلك يعني أنهم (قيادة، ومجتمعا) هم الذين يُشخِّصون الموقف، وطبيعة العلاقة المطلوبة حسب متغيرات الواقع. وقد جاء في الأثر: [أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه واله: هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال صلى الله عليه واله
نَعَمْ» [٢].
[٩] ويعود السياق ليؤكد الأمر بالمقاطعة وينهى عن التولي إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ بالتحالف مع الأعداء المحاربين، أو إعانتهم بأية صورة ووسيلة، فإنه محرم عليكم أن تتولوهم أو تبروهم، ومن يتولهم يشاركهم في كل ظلم يصل إلى المؤمنين من قبلهم، ويناله العذاب من عند الله، ويجب على المؤمنين في الدنيا احتسابه من الجبهة المعادية، والوقوف منه كموقفهم من الظالمين أنفسهم أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ.
وبالمقارنة بين الآيتين (الثامنة والتاسعة) نتوصل إلى التالي
١- أن إباحة البر والقسط تجاه غير المحاربين من الكفار، وعدم تعرض الآية لذكر التولي لا يعني أنه سائغ، كلا .. إنما يعني أن حد الإباحة هو البر والقسط دون التولي.
٢- أن مجرد البر والإقساط للكفار المحاربين محرم على المؤمنين، ولكن لماذا؟.
أولًا: لأن القسط ليس ضروريًّا مع المحاربين، لأن دمهم ومالهم حلال. أوليس يستحلون ذلك منا؟.
ثانياً: أن القسط هنا ليس بمعنى العدالة إنما هو فوقها، وهو في الحقوق يشبه الإيثار
[١] مر كلام مفصل حول العلاقة بين العدل والقسط في سورة الحجرات.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٨، ص ٥٩.