من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
ونخلص إلى القول بأن الدونية في الآية بمعنى الأقل في الفضل، كقولنا: فلان دون فلان في العلم، فهو أقل منه علما، وعليه فإن الجنتين الأخريين إما تكونان لصاحب الجنتين الأوليين المذكور في قوله تعالى وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٥] يستقبل فيهما من هو أقل منه فضلا ودرجة عند الله، وهما بذلك دار ضيافته لإخوانه من المؤمنين، الذين يتزاورون في الجنة، أما الأوليان فتخصانه ويستقبل فيهما أو في إحداهما أنداده، أو تكونان (الأخريان) منزلا لمن هم أقل درجة ممن يخافون مقام ربهم.
وقد تكون الجنتان الدانيتان هما في الدنيا معدتين لمن خاف مقام ربه قبل دخول جنة الخلد، وبذلك جاءت رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، قال عنهما
«خَضْرَاوَتَانِ في الدُّنْيَا يَأْكُلُ الُمؤْمِنُونَ مِنْهَا حَتَّى يَفْرَغُوا مِنَ الحِسَابِ» [١].
[٦٣] ومما يحدد درجة العبد ابتداء من أعلى درجة في الجنة وانتهاء بأسفل درك في النار موقفه من آلاء ربه، وذلك بمدى تصديقه أو تكذيبه بها، ومدى انتفاعه منها، ومدى حسن تصرفه فيها.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ما هو مدى التكذيب بها، فقد يكون مستوى التكذيب هو الكفر والجحود، وقد يكون عدم استغلال النعمة كما ينبغي، فهو الآخر نوع من التكذيب بالنعمة قد لا يقصده الإنسان، ولكنه ينعكس على مستقبله في الآخرة، وربما يؤدي أحدنا شكر نعمة دون أخرى، فيؤدي شكر نعمة العلم، ويقصر في نعمة المال، أو يطبق آية من القرآن ويترك أخرى، أو يعصي بعينه من خلال النظر إلى ما حرم الله، في حين لا يستمع إلى الغيبة والنميمة، فيكون قد أدى شكر نعمة الأذن دون نعمة العين.
[٦٤- ٦٥] ويضع الوحي أمامنا صورا عن النعم ذاتها التي ذكرها فيما يتعلق بالجنتين الأوليين للمقارنة بينهما، لنختار الأفضل بينهما ونجعلهما هدفا نسعى نحو تحقيقه، بأقصى ما يمكن من السعي.
مُدْهَامَّتَانِ و [الدهمة سواد الليل، وقولنا: ليل أدهم يعني شديد الظلام، ويعبر بها عن سواد الفرس] [٢]، والخضرة الشديدة الغليظة المتواصلة لأنها تضرب إلى السواد، ويُقرِّب الإمام الصادق عليه السلام صورتهما حين يقول
«يَتَّصِلُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِيْنَةَ نَخْلًا»
[٣] وحينما نعقد
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٤٥.
[٢] مفردات غريب القرآن: ص ٣٢٠ مادة (دهم).
[٣] تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٤٥.