من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٦ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
مقارنة بين كلمة مُدْهَامَّتَانِ وما يقابلها في وصف الجنتين الأوليين ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ نعرف أن الأوليين خضراوتان أيضا ولكن أشجارها ذوات أغصان كأشجار الفاكهة، ولعل أغلبها منها، والجنتان اللتان دونهما ليستا كذلك، وهذه الأشجار إذا انضمت بعضها إلى بعض واتصلت تضرب إلى الخضرة، وتكون جميلة ذات السوق الطويلة، ولكن جمال ذوات الأفنان وفوائدها أكثر، ولعل أحد أبرز أسباب التفاضل بين النوعين من الجنان هو مدى الشكر لآلاء الله أو التقصير فيها. جاء في الأثر عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: [إِنَّ النَّاسَ يَتَعَجَّبُونَ مِنَّا إِذَا قُلْنَا: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ!، فَيَقُولُونَ لَنَا: فَيَكُونُونَ مَعَ أَوْلِيَاءِ الله فِي الجَنَّةِ؟!. فَقَالَ عليه السلام
يَا عَلَاءُ إِنَّ الله يَقُولُ
وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ
لَا وَاللهِ لَا يَكُونُونَ مَعَ أَوْلِيَاءِ الله ..»
[١]. فإذا كنا نرغب في درجات الأولياء، يجب أن نستجيب لنداء القرآن المتكرر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قائلين كما قال المؤمنون من الجن، وكما أمر الرسول الأعظم
«لَا، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ» [٢].
[٦٦- ٦٧] ويأخذنا القرآن إلى داخل الجنتين، ويقف بنا هذه المرة على مقربة من عينين تنبعان بالماء وحيث نقارن بينهما وبين العينين اللتين مر ذكرهما نجدهما أقل منهما لأنهما لا تجريان.
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ جاء في المنجد: [نضخ الماء اشتد فورانه من ينبوعه، وعين نضاخة فوارة غزيرة] [٣]، وفي تفسير الدر المنثور: [أخرج عبد الحميد وابن المنذر وابن حاتم، عن البراء بن عازب قال: العينان اللتان تجريان خير من النضاختين، ولفظ عبد قال: ما النضاختان بأفضل من اللتين تجريان] [٤]. وهذا لا يعني أن ليس في هاتين الجنتين أنهار تجري من تحتها، ولكن الله يضيف إلى أصحاب الجنتين الأوليين سواقي وأنهارا تجري من العيون حيث لا توجد هذه الميزة في اللتين دونهما.
وهذا بالطبع لا يقلل من شأنهما أبدا، ذلك أن مجرد النجاة من النار فوز عظيم. قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥].
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وهذه الآية يجب أن تكون لنا شعارا، فأي نعمة من
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٠٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٧٨.
[٣] المنجد: مادة نضخ.
[٤] تفسير الدر المنثور: ج ٦، ص ١٥٠.