من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
ومَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى المَاضِي ولَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ»
[١]. ونقل عن الإمام الباقر عليه السلام أنه رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقد تنفس الصعداء (التنفس الطويل من هم أو تعب) فقال عليه السلام
«يَا جَابِرُ عَلَامَ تَنَفُّسُكَ؟ أَعَلَى الدُّنْيَا؟
فَقَالَ جَابِرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ
يَا جَابِرُ مَلَاذُ الدُّنْيَا سَبْعَةٌ: المَأْكُولُ وَ المَشْرُوبُ وَ المَلْبُوسُ وَ المَنْكُوحُ وَ المَرْكُوبُ وَ المَشْمُومُ وَ المَسْمُوعُ، فَأَلَذُّ المَأْكُولَاتِ العَسَلُ وَ هُوَ بَصْقٌ مِنْ ذُبَابَةٍ، وَ أَحْلَى المَشْرُوبَاتِ المَاءُ وَ كَفَى بِإِبَاحَتِهِ وَ سِبَاحَتِهِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَ أَعْلَى المَلْبُوسَاتِ الدِّيبَاجُ وَ هُوَ مِنْ لُعَابِ دُودَةٍ، وَ أَعْلَى المَنْكُوحَاتِ النِّسَاءُ وَ هُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ وَ مِثَالٌ لِمِثَالٍ، وَ إِنَّمَا يُرَادُ أَحْسَنُ مَا فِي المَرْأَةِ لِأَقْبَحِ مَا فِيهَا، وَ أَعْلَى المَرْكُوبَاتِ الخَيْلُ وَ هُوَ قَوَاتِلُ، وَ أَجَلُّ المَشْمُومَاتِ المِسْكُ وَ هُوَ دَمٌ مِنْ سُرَّةِ دَابَّةٍ، وَ أَجَلُّ المَسْمُوعَاتِ الغِنَاءُ وَ التَّرَنُّمُ وَ هُوَ إِثْمٌ، فَمَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ عَلَيْهِ عَاقِلٌ؟
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله: فَوَ الله مَا خَطَرَتِ الدُّنْيَا بَعْدَهَا عَلَى قَلْبِي] [٢].
ثانياً: بالرضا والتسليم بالقضاء الذي يأذن به الله فيقع، وهو أرفع درجة من الزهد، بل أرفع درجات الإيمان لقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام وقد سئل عن الزهد
«الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ أَعْلَى دَرَجَةِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَةِ الوَرَعِ وأَعْلَى دَرَجَةِ الوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَةِ اليَقِينِ وأَعْلَى دَرَجَةِ اليَقِينِ أَدْنَى دَرَجَةِ الرِّضَا»
[٣]. ولا يسمو الإنسان إليه إلا إذا آمن بأن كل ما يحدث في الوجود هو بتقدير مسبق من الله (القدر)، فذلك بدل أن يؤثر فيه سلبا باتجاه الانحراف يؤكد فيه الانتماء إلى مسيرة الحق، والتوحيد المخلص لله بدل الشرك، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٥- ١٥٦]، لأنهم يعتقدون بهذه الحقيقة مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ مصيبة خارجية من حولكم، قال صاحب المجمع: مثل قحط المطر وقلة النبات، ونقص الثمرات وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ مباشرة [من الأمراض والثكل بالأولاد] [٤] أو ما أشبه إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا فهي مكتوبة على الإنسان في قدر الله قبل الخلق الأول لنفسه، وتحولها إلى الواقع إنما هو تصويب للقدر بإنفاذ القضاء، ومن الصعب على الإنسان أن يستوعب هذه الحقيقة انطلاقا من النظر إلى نفسه وقدراته المحدودة، ولكنه إذا فكر فيها من خلال إرادة الله وعلمه فالأمر هَيِّن عنده تعالى إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وكيف لا يكون كذلك وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؟
[١] وسائل الشيعة: ج ١٦ ص ١٩.
[٢] بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١١.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٦٢، تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٥٩.
[٤] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٦٢.