من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٦ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
آياته، وله ثقل عظيم على الواقع ومنافع لا تحصى، وينسجم مع فطرة الإنسان وسنن الله في الخليقة، والانحراف عن مثل ذلك يتطلب جهدا، ولا يكون إلا بوسائل، ومن وسائله الغرور بالأماني التي تتلاحق في وعي المنحرفين كشلال أسود لا يكاد المبتلى به يقدر على مراجعة قراراته والتدبر في عواقب أموره.
إن الشك والتردد إما يحسمه الإنسان باتجاه الحق من خلال التوبة والعمل، وإلا فإنه سيبقى على الباطل حتى يوافيه الأجل، وتضيع منه فرصة التغيير، بسبب الأماني التي ينفخ فيها الشيطان، كالتشبث بالقشور وبعض الأعمال الجانبية التي يسعى البشر لتبرير أخطائه الفادحة بها، ومن الأماني أيضا النظرة الخاطئة لغفران الله، والاعتماد على شفاعة الأولياء، ولذلك حذَّر أئمة الهدى شيعتهم من المنى، قال الإمام علي عليه السلام
«وسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بِالسُّورِ بِبَاطِنِ الرَّحْمَةِ وَظَاهِرِ العَذَابِ، فَتُنَادُونَ فَلَا يُسْمَعُ نِدَاؤُكُمْ وَتَضُجُّونَ فَلَا يُحْفَلُ بِضَجِيْجِكُمْ»
[١]، وقال الإمام الصادق عليه السلام
«تَجَنَّبُوا المُنَى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بَهْجَةَ مَا خُوِّلْتُمْ، وتَسْتَصْغِرُونَ بِهَا مَوَاهِبَ الله تَعَالَى عِنْدَكُمْ، وتُعْقِبُكُمُ الحَسَرَاتُ فِيمَا وَهَّمْتُمْ بِهِ أَنْفُسَكُمْ»
[٢]، وإنما يُنال ما عند الله بالعمل والسعي، قال تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]، والتمني يوقف مسيرة الإنسان باتجاه التغيير والعمل، لأنه يستبدل السعي بالأحلام والوهم، وربنا يستنكر على المنافقين والكافرين تمنياتهم إذ يقول إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى [النجم: ٢٣- ٢٤]؟!.
وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُ أي خدعتكم، والأماني هي الأحلام والظنون التي يصنعها الإنسان بخياله المنبعث من شهواته، والذي يدخل في هذا النفق قد لا يتخلص منه، بل يبقى في غروره حتى الموت، وهذا ما صار إليه المنافقون حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي نصرة المؤمنين، أو أجله الذي لا تأخير فيه، وحينها لا تنفع التوبة، فإذا جاءت المنية بطلت الأمنية.
وقبل أن يختم ربنا الآية يشير إلى دور الشيطان في خدع الإنسان الذي يتمثل في تزيين المعاصي، وتأكيد الأمنيات في النفس، وليس له سلطان على أحد، جاء في الدعاء عن الإمام السجاد عليه السلام وهو يشكو إلى الله سبحانه عدوّه المضلّ وهو الشيطان
«إِلهِي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوَّاً يُضُلُّنِي وَشَيْطَاناً يَغْويْنِي، قَدْ مَلَأَ بِالوِسْوَاسِ صَدْرِي، وَأَحَاطَتْ هَوَاجِسُهُ بِقَلْبِي، يُعَاضِدُ لِي الَهَوى، وَيُزَيِّنُ لِيَ حُبَّ الدُنْيَا، وَيَحَولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّاعَةِ والزُّلْفَى»
[٣]. إن دور الشيطان الأساسي
[١] بحار الأنوار: ج ٩٤، ص ١١٦.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٨٥.
[٣] الصحيفة السجادية: مناجاة الشاكين.