من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٠ - يقاتلون في سبيله صفا
واليمين الكاذب. وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تعود إلى عزها ومجدها، وتبني حضارتها، فلا بد أن تردم الفجوة بين ما تقول وما تفعل، بأن تنعكس قيمها على مجمل حياتها.
ولا شك أن مقت الله لمن يقول ما لا يفعل يزداد كلما عظم الأمر الذي ينقض فيه كلامه وعهده، وحيث إن عهد المؤمن بالتسليم للقيادة الرسالية هو أكبر المواثيق في الحياة بعد التوحيد فإنه يكون عرضة لأشد ألوان المقت الإلهي عند نقضه العهد معها. فلا غرابة إذن أن نقرأ تأويلًا لهذه الآية في غدير خم، لأنه أعظم المواثيق التي أخذها الله ورسوله صلى الله عليه واله على المؤمنين إلى يوم القيامة.
والآية تعم كل مصداق للقول دون العمل به كالمواعيد، قال الإمام الصادق عليه السلام
«عِدَةُ المُؤْمِنِ أَخَاهُ نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ، فَمَنْ أَخْلَفَ فَبِخُلْفِ الله بَدَأَ ولِمَقْتِهِ تَعَرَّضَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ] [١].
[٤] وهناك مثل أجلى للفجوة بين القول والفعل نجده في قضية القتال في سبيل الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ كل من يفي بوعده، ويقف عند كلمته، ولكن عندما تكون كلمة المؤمن في القتال من أجل الله، ثم يفي بها وفاء تاماً وكاملًا (بالقتال ضمن شروطه الشرعية) فإنه آنئذ فرداً وجماعة وأمة يكون موضع حب الله بصورة خاصة، وحب الله يعني توفيقه وكرامته لأهل حبه في الدنيا والآخرة ونصره لهم.
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ وليس الذين يرفعون شعارات الجهاد وحسب. والقتال (الجهاد) قمة العمل الصالح حيث يعرض المؤمن نفسه لألوان المخاطر في سبيل ربه. ثم إن أحباء الله لا يقاتلون ليبلغوا مصالحهم وشهواتهم المادية، إنما يجاهدون مخلصين في إطار الحق ولتحقيق أهدافه النبيلة متمحضين لذلك، فلا ترى بينهم أدنى حقد ضد بعضهم، ولا ثغرة في جبهتهم الواحدة، إنما يقفون كما يصفهم الله صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ فوحدتهم ظاهرة كالبنيان المتصل ببعضه، وهي حقيقية لأنها متينة في الواقع، فليست كأي بناء إنما كالبنيان المتماسك تماسكا متينا، وقيل: كالبنيان المبني بالرصاص. ولا تعني هذه الآية أنه لا يوجد أي اختلاف بين المؤمنين، لأن الخلاف طبيعي، ولكنه لا يتحول إلى صراع بينهم، ثم إنه يتلاشى عند ظروف التحدي فتراهم جميعا ينصهرون في بوتقة الوحدة لتصبح الجهود والطوائف والجماعات كلها أمة واحدة لا يجد الأعداء فيها ثغرة ينفذون منها. ويحث المؤمنين على التوحد صفًّا واحداً في القتال علمهم بمدى أثر عامل الوحدة واجتماع الجهود في ترجيح ميزان الصراع لمصلحة الحق. وليس من شيء يوحد الناس كما يوحدهم الوحي والإمام العامل به إذا سلَّموا لهما، وهكذا يحدثنا السياق فيما يلي عن ثلاثة من أعظم أنبياء الله عليهم السلام.
[١] الكافي: ج ٢ ص ٣٦٣.