من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٧ - إن هذا لهو حق اليقين
ظاهرها، بل هي خاضعة لنظام دقيق ومحكم بحيث تأخذ كل نجمة موقعها فيه، بما يجعل النظام متكاملا، ويجعلها تؤدي دورها المطلوب والمناسب في الوجود. ولا ريب أن هذه الحقيقة حَرِيَّة بالدراسة والبحث من جانب المختصين لما فيها من فوائد علمية تهم الإنسان، ولكونها تجليات لعظمة خالقها ومدبرها تزيد إٍيمان الإنسان وتصديقه وتسبيحه.
ويقول الفلكيون: [إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم (تزداد كلما تقدم العلم بالإنسان) ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاه واحد، وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد، جدًّا، إن لم يكن مستحيلًا] [١].
ويقول العلماء المختصون: إنهم اكتشفوا لحد الآن نصف مليار مجرة، ولا يزالون يكتشفون المجرة تلو الأخرى في هذا الفضاء الرحب، وإنما يدرك عظمة قسم الله بمواقع النجوم الذي يطَّلع على مثل هذه الحقائق، أما الذي يجهلها فإن القسم بها عنده ليس ذا أهمية. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ فكلما تقدم الإنسان خطوة في العلم ظهرت وتأكدت له عظمة هذا القسم، وكفى بذلك عظمة أنه قسم منه تعالى بمواقع النجوم. ونخلص إلى القول بأن عدم قسمه مباشرة بها يعود إلى أمرين رئيسيين
الأول: أن القسم بشيء يحقق غرضه حينما تكون عظمته معروفة عند الطرف المقابل.
الثاني: لأن الناس في الجاهلية كانوا يعتقدون في النجوم ومواقعها بالخرافات والشرك فلم يقسم الله بها لكيلا تتعمق اعتقاداتهم الباطلة، أو يتخذونه مبررا لها. قال الإمام الصادق عليه السلام
«إِنَّ مَوَاقِعَ النُّجُومِ رُجُومُهَا لِلشَّيَاطِينِ، فَكَانَ المُشْرِكُونَ يُقْسِمُونَ بِهَا. فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَلَا أُقْسِمُ بَهَا»
[٢]، وقال عليه السلام
«كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَحْلِفُونَ بِهَا فَقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ] [٣].
ولعل في الآية إيحاء وإشارة من قبل الله إلى الناس بعدم جواز حلفهم هم بها، حيث لا يصح للمخلوق القسم إلا بالخالق، وفي الروايات تصريح بذلك، قال الإمام الصادق عليه السلام
[١] في ظلال القرآن: ج ٧ ص ٧٠٦، نقلًا عن كتاب الله والعلم الحديث: ص ٣٣.
[٢] مجمع البيان: ج ٩، ص ٢٨٧.
[٣] الكافي: ج ٧، ص ٤٥٠.