من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٨ - يسلط رسله على من يشاء
الأحداث إلى خلفياتها، والعبرة الحقيقية ليست بأن يستفيد الإنسان من دراسته لأي حدث أو قضية أفكارا علمية ونظريات وخططا وحسب، بل هي بالإضافة إلى ذلك أن تنعكس على سلوكه الشخصي في الحياة، ويهتدي بها إلى أهم العبر والمواعظ وهي الإيمان بالله عز وجل ولا يصل إلى هذه الغاية إلا أولو البصائر السليمة، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام
«وَلَا يَصُحُّ الاعْتِبَارُ إِلَّا لِأَهْلِ الصَّفَا وَالبَصِيْرَةِ»
[١] ثم تلا الآية.
ومن أهم العبر التي نستفيدها من هذا الحادث التاريخي هو معرفة حكمة الله وعزته، والثقة بنصره للمؤمنين رغم الظروف والعوامل المعاكسة، وما أحوجنا ونحن نقف اليوم في جبهة الصراع ضد أعداء الأمة الإسلامية، وبالذات ضد الصهاينة الغاصبين أن نتسلح بهذه البصيرة، وننتفع من دراسة تلك التجربة التاريخية.
[٣- ٤] وتأتي الآية الثالثة لتضعنا أمام النتيجة التي انتهى إليها الصراع، حيث سلَّط الله رسوله على اليهود، فكتب للمؤمنين النصر ولهم الجلاء عن المدينة إلى بلاد الشام وغيرها، ويلفتنا القرآن إلى سماحة الإسلام، وكيف أنه لا يدفع أبناءه إلى الصراع من منطلقات الحقد، وإنما يدفعهم إليه بدوافع إلهية وإنسانية، فمع استسلام اليهود، وتمكن المؤمنين منهم، لم تندفع القيادة الرسالية إلى الانتقام، إنما أمضت حكم الله في القضية بإجلائهم ومصادرة ممتلاكاتهم- إلا ما يلزمهم للطريق- وهذا بذاته تأكيد آخر على أن موقف الإسلام من أهل الكتاب لا يتأسس على المطامع أو العنصرية أو أي شيء غير الحق، وإلا لقتلوهم، واستعبدوهم، وسبوا نساءهم.
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا على أيدي المؤمنين أو بطريقة أخرى، دون أن يقتصر الأمر في إجلائهم، أو يؤخر عذابهم إلى الآخرة وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. ونهتدي من هذه الآية إلى أن العذاب الذي يلقاه المجرم المصر في الدنيا لا يرفع عنه عذاب الآخرة، إنما يواجه الاثنين معا.
وهل كتب الله عليهم الجلاء ونفَّذ المسلمون حكمه فيهم لمجرد كونهم يهودا كما يزعم الصهاينة الحاقدون، ويوغرون صدور يهود العالم بالعداء والحقد عبر إعلامهم المضلل ومناهجهم التربوية المنحرفة ضد الإسلام والمسلمين؟! كلا .. إنما الذي حدث كان نتيجة خيانتهم العهد، ومحاربتهم الله ورسوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي وقفوا قبالتهما على شق آخر، ناصبين أنفسهم للحرب ضدهما، ضاربين بعرض الحائط كل المعاهدات. إلى هذا الحضيض بلغت العنصرية ونظرة التأليه للذات باليهود، أنهم يعطون لأنفسهم الحق في محاربة الله وأوليائه، ونقض العهد، ومتى شاءت أهواؤهم، لأنهم وهم يعتبرون أنفسهم أبناء
[١] بحار الأنوار: ج ٦٨، ص ٣٢٦.