من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٣ - يسلط رسله على من يشاء
الخامس للمنافقين الذي يتصل بهم، فقال لمحمد بن مسلمة الأنصاري: [اذهب إلى بني النضير فأخبرهم أن الله عز وجل قد أخبرني بما هممتم به من الغدر فإما أن تخرجوا من بلدنا وإما أن تأذنوا بحرب، فقالوا: نخرج من بلادك، فبعث إليهم عبد الله بن أبي (رأس النفاق) أَلَّا تخرجوا وتقيموا وتنابذوا محمدا الحرب فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي، فإن خرجتم خرجتُ معكم وإن قاتلتم قاتلتُ معكم (و كان يطمع في غلبتهم على المؤمنين لما فيه من المصلحة المادية له ولأعوانه)، فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيؤوا للقتال وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله: إنا لا نخرج فاصنع ما أنت صانع. فقام رسول الله صلى الله عليه واله وكبَّر وكبَّر أصحابه وقال لأمير المؤمنين عليه السلام تقدم إلى بني النضير، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الراية وتقدم، وجاء رسول الله صلى الله عليه واله وأحاط بحصنهم (يحاصرهم اقتصاديًّا ومعاشيًّا واجتماعيًّا ليستسلموا، ولكيلا يتصلوا بقريش فتدعمهم)، وغدر بهم عبد الله بن أبي وكان رسول الله صلى الله عليه واله إذا ظهر بمقدم بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه (حتى لا ينتفع به في شيء) وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه (كما تفعل الكثير من الجيوش حينما تنسحب من أي مدينة أو منطقة) وقد كان رسول الله صلى الله عليه واله أمر بقطع نخلهم (حتى لا يستفيدوا منها في أكل ولا تحصُّن) فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمد إن الله يأمرك بالفساد إن كان لك هذا فخذه وإن كان لنا فلا تقطعه، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا محمد نخرج من بلادك وأعطنا ما لنا (مما دل على ضعفهم وتنازلهم عن موقفهم السابق)، فقال: لا، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا ذلك فبقوا أياما، ثم قالوا (و قد ضعفوا وتنازلوا أكثر): نخرج ولنا ما حملت الإبل، فقال: لا، ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه (و كان هذا الموقف الحازم والمتصلب من القيادة الرسالية يؤكد في نفوسهم الضعف وقوة المسلمين)، فخرجوا على ذلك ووقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى وخرج منهم قوم إلى الشام] [١].
وتحققت للرسول بذلك ثلاثة أهداف: قضاؤه على عدو خطير أولا، وقطع دابر المنافقين المعتمدين عليهم وآمالهم، وإضعاف جبهتهم ثانياً، وكسب الهيبة بين الأعداء المتبقين كقريش ثالثاً، وفي البعد الاستراتيجي طهَّر شبه الجزيرة من الوجود اليهودي.
بينات من الآيات
[١] معرفة الله أعظم باعث للإنسان نحو عبادته والتسليم له، وخير ضمانة للاستقامة على ذلك، ومنهج معرفته تنزيهه عن الشريك، ومعرفة أسمائه الحسنى لنعرف أنه سبحانه أهل
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٥٩، بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ١٦٨.