من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - يسلط رسله على من يشاء
يَكُونَ دُولَةً [١] بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (٨).
هدى من الآيات
هاجر النبي صلى الله عليه واله إلى يثرب، ليتسنى له أن يبني في جو من الاطمئنان حركته الحضارية، ويُعدُّ المؤمنين للدور التاريخي الهام الذي ينتظرهم. ولكنه وجد مدينته محاطة بمجاميع من الأعداء لا يقلون خطرا عليه وعلى الرسالة من طغاة قريش، وهم بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع من قبائل اليهود، وقد أهمهم الدين الجديد باعتبارهم أصحاب رسالة سابقة، واعتبروه خطرا على مصالحهم وكيانهم، وربما يدفعهم العداء مع دين الإسلام إلى الدخول في الحرب ضده.
وحيث لا تغيب هذه الحتميات عن الرسول صلى الله عليه واله فقد سعى لإبرام المعاهدة الأمنية معهم لتحييدهم، وليتوجه إلى بناء الأمة الجديدة، وإعدادها لدورها الحضاري.
ولكن اليهود نقضوا العهد عداوة لله ولرسوله، وحسدا من عند أنفسهم، وكان ذلك أن أتاهم رسول الله يستلفهم دية رجلين قتلهما رجل من أصحابه، وكان بينهم كعب بن الأشرف، فلما دخل على كعب قال: مرحبا يا أبا القاسم وأهلا، وقام كأنه يصنع له الطعام، وحدَّث نفسه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه واله ويتبع أصحابه، فنزل جبرائيل فأخبره بذلك، فرجع رسول الله صلى الله عليه واله إلى المدينة، [وقيل: إنهم قالوا: نعم. يا أبا القاسم! نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض، فقال (كعب بن الأشرف): إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حالته هذه، ورسول الله إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد، فقالوا: مَنْ رجل يعلو على هذا البيت يلقي عليه صخرة، ورسول الله في نفر من أصحابه فأتاه الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لأصحابه: [لا تبرحوا]، فخرج راجعا إلى المدينة، ولما استبطؤوا النبي صلى الله عليه واله قاموا في طلبه .. حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أرادت اليهود من الغدر، وأمر رسول الله صلى الله عليه واله محمد بن مسلمة بقتل كعب بن الأشرف (فقتله) وأخذ رأسه] [٢].
وعزم صلى الله عليه واله على قتالهم لما وجده فيهم من العداوة والغدر، بالذات وقد علم بالطابور
[١] دُولة: تداول القوم الشيء تداولًا، وهو حصوله في يد هذا تارةً وفي يد هذا أخرى، والأصل هو الانتقال.
[٢] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٢٦.