من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٤ - ليقوم الناس بالقسط
من الحنان والعطف والزهد والخشوع، وكانت كلمات الإنجيل تفيض بذلك لمعالجة ذلك التطرف المادي الطاغي، وهكذا زرع الله في قلوب التابعين لعيسى عليه السلام الرأفة والرحمة بل الزهد والرهبانية الطاهرة.
وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً لعل الرأفة هي العطف القلبي، في حين أن الرحمة هي المظهر الخارجي لها مثل العطاء وخفض الجناح، وقال البعض: إن الرأفة هي منع ما يضر، في حين أن الرحمة هي توفير ما ينفع، ومثل هذه الكلمات إذا ذكرت مفردة منها شملت معنى الجميع، وإذا أطلقت أكثر من مفردة دلت كل واحدة على معنى خاص، وكان ذكرها يدل على التأكيد، مما يوحي بأن الله جعل المزيد من العطف والحنان في قلوب الذين اتبعوا عيسى عليه السلام. وحق لهم ذلك. أَوَلم يكن قائدهم مَثَلًا أسمى للزهد والحنان والخشوع والتبتل؟.
والرأفة والرحمة من أظهر وأعظم صفات الله في تعامله مع خلقه إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٤٣]، وهكذا تستهدف الرسالات الإلهية إنقاذ الناس من الصفات البشرية لتركز فيهم أخلاق الله ليكونوا ربانيين. ولعل عيسى عليه السلام جاء بالرأفة والرحمة علاجا للقسوة التي أصابت بني إسرائيل حيث قال ربنا عنهم ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: ٧٤].
وجَعْلُ الله الرأفة والرحمة في قلوب أتباع المسيح عليه السلام لا يعني أبدا أن الله يرسل نبيًّا باللطف والرحمة، ويرسل الآخر بالشدة والحديد، أو أنهم لم يفرض عليهم الجهاد بالسيف وخوض اللجج لإقامة القسط إذا كانت الظروف تستدعي ذلك، بل يعني أن الحالة الاجتماعية المتردية في القسوة والفسوق لم تكن تعالج بالسيف بل بالرحمة والرأفة، وربما الرهبانية.
ثم يبين القرآن تجربة مهمة من تجارب أتباع عيسى عليه السلام: لقد ظهرت الجبابرة والطغاة من بعد عيسى، وصارت مسيرة الأكثرية من الناس إلى الفسوق والقسوة مماشاة لملوكهم، واتباعا للتحريف والبدع، فاختلفوا على مذاهب شتى، حيث سكتت الأغلبية عن الطغاة، واتبعوا أدعياء الدين، إلا أن قليلا منهم قرر التحدي، ولكن كيف؟.
إنهم يواجهون نوعين من التحدي: التحدي السياسي، والتحدي الاجتماعي المدعوم بقشور الدين المحرف، وأمام كل ذلك يجب عليهم أن يحافظوا من جهة على مسيرتهم فلا يتابعون الطغاة أو يستسلمون للدين المحرف، ومن جهة أخرى يجب أن يحافظوا على أنفسهم