من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٣ - الرحمن علم القرآن
فَقَالَ عليه السلام لَهُ
أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهْلِكَ أَمَا رَحِمْتَ وُلْدَكَ أَتَرَى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وهُوَ يَكْرَهُ أَخْذَكَ مِنْهَا، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ، أَولَيْسَ اللهُ يَقُولُ
وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ
أَولَيْسَ اللهُ يَقُولُ
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ إِلَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ
فَبِاللهِ لَابْتِذَالُ نِعَمِ الله بِالفَعَالِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنِ ابْتِذَالِهَا بِالمَقَالِ، وقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. فَقَالَ عَاصِمٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَعَلَى مَا اقْتَصَرْتَ فِي مَطْعَمِكَ عَلَى الجُشُوبَةِ وفِي مَلْبَسِكَ عَلَى الخُشُونَةِ؟!. فَقَالَ عليه السلام
وَيْحَكَ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ العَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالفَقِيرِ فَقْرُهُ»
[١]. إذن ليست النعم والإمكانات في الأرض مباحة للإنسان فقط، بل ينبغي له أن يسعى لتسخيرها والانتفاع بها أيضا.
[١١- ١٢] ثم إن القرآن يذكِّرنا ببعض النعم التي مَهَّد الله بها العيش على الأرض، والتي هي مظهر لاسم الرحمن أيضا، ويبدؤها بالفاكهة وهي ذات فائدة ونفع للجسم بما تحتويه من فيتامينات ومواد أخرى.
فِيهَا فَاكِهَةٌ ويبدو أن تقديم ذكرها على النخل النعمة الوسط، وعلى الحّبِّ المأكول الرئيسي للإنسان، لأنها كمال نعمة الخلق وكمال نعم المائدة، وهذا يتناسب مع سياق هذه السورة التي جاءت لبيان تجليات رحمة الله أن تشير إلى النعمة ابتداء من أكمل النعم، ولا شك أن رحمة الله أكثر تجليا في المائدة ذات الفاكهة من الأخرى التي لا فاكهة فيها.
وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ وهي كذلك مظهر لرحمة الله، ولعلنا نقترب أكثر إلى مهم هذه الحقيقة إذا رجعنا إلى الوراء في التاريخ بذاكرتنا، وتعرفنا على أهمية النخل ودورها بالنسبة للإنسان آنذاك، إنه يستفيد منها حتى النخاع، من النواة التي يقدمها مع العلف للحيوان، إلى جذعها وخوصها وكل شيء فيها، فبكربها يوقد النار للطبخ والتدفئة، وبسعفها وجذوعها يبني بيته، ومن ثمرها يأكل طيلة السنة.
ولكن القرآن يلفت انتباهنا إلى أكمام النخل، لأن ما تحتويه من الثمر هو أهم النعم بالنسبة للإنسان. إنه يستطيع العيش من دون بيت السعف، ومن دون التدفئة بالنار أيضا، ولكنه لا يعيش من دون الأكل، والأكمام هي التي تحفظ الثمر من الآفات والسموم، بل وتقوم بدور أساسي جدًّا في تكوينه، لأنها تشبه الرحم الذي يتكون فيها الجنين، والقرآن في آية منه يوجهنا إلى هذا الدور عندما يلحق ذكر الأكمام التي تحمل بالثمر ثم تلده بانشقاقها بذكر المرأة
[١] الكافي: ج ١، ص ٤١٠.