من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣١ - الرحمن علم القرآن
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وهو أقرب إلى التقوى حتى من العدل، ذلك أن القسط ليس مجرد العدل، بل العدل بإضافة الاحتياط الذي يضمن حصوله بالفعل، فمثلا إذا كنت صاحب محل تزن للناس تعادل ما تبيع بالوزن المطلوب ثم تضيف إليه شيئا، وإذا كنت تشتري تنقص ما تشتريه عن الوزن المتفق بينك وبين البائع، وذلك للتأكيد من فراغ الذمة في الحالتين. هذا هو القسط، وكم تكون البشرية سعيدة لو عملت بهذه القاعدة.
والإقامة هي الالتزام بالشيء وأداؤه على أحسن وجه، وإقامة الوزن تكون في أفضل صورها عند العمل بالقسط.
وربنا لا ينهى عن إخسار الميزان بصورة ظاهرة وفظيعة، بل وينهى حتى عن مخالفته بصورة بسيطة، أو خفية باستغلال غفلة الناس وثقتهم، أو بالاحتيال على القانون، فيقول وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ والعمل بالقسط يضمن من جانب تحقق العدالة، ومن جانب آخر يجنب الإنسان مخالفة الحق والنظام، والسؤال: كيف يخسر الإنسان الميزان؟.
من المفاهيم الحضارية بل من الإنجازات الهامة في عالمنا اليوم وحدة الموازين، (الكيلو غرام، الكيلو متر مثلًا، وكذلك المقاييس والوزان الأخرى) وهذه يتفق عليها الناس، ويعتمدونها في معاملاتهم، ولعل هذا من أبرز معاني إقامة الميزان واحترامه وعدم التلاعب به، بأن يعتبر البعض الكيلو ٩٠٠ غرام، والبعض الآخر ١٠٠٠ غرام، فذلك يفقد البشرية إنجازاً حضاريًّا، ويفسح المجال للمزيد من الظلم والتلاعب بالحقوق، بل إن إقامة الوزن (الهدف) لا يتحقق إلا بالميزان، وإخساره تضييع لهذا الهدف.
وكلمة الْمِيزَانَ واسعة تشتمل على كثير من المضامين، فالعقل ميزان، والقرآن ميزان، والعهد ميزان، وما تتفق عليه الجماعات الإيمانية في اجتماعها إلى بعضها ميزان، ولا يصح لأحد أن يخرج عليه مهما كان مخالفا لمصالحه الشخصية، ولكن أظهر معاني الميزان هو القيادة الرسالية، بأقوالها وأفعالها وآرائها باعتبار قربها من القيم فهما وتطبيقا، قال الإمام الرضا
«... وَالمِيزَانُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
نَصَبَهُ لِخَلْقِهِ
، قُلْتُ- الراوي- أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ قَالَ عليه السلام
لَا تَعْصُوا الإِمَامَ
، قُلْتُ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، قَالَ عليه السلام
أَقِيمُوا الإِمَامَ العَدْلَ
، قُلْتُ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ قَالَ عليه السلام
وَلَا تَبْخَسُوا الإِمَامَ حَقَّهُ وَ لَا تَظْلِمُوهُ ...». [١].
والقرآن يضرب لنا مثلا لإخسار الميزان في الحقل الاجتماعي والاقتصادي فيقول متوعدا وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ
[١] بحارالأنوار: ج ٢٤، ص ٦٧.