من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٥
تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً تحتوي العلم ولكنه لا ينتفع بها شيئا، وفي هذا التشبيه دقة بالغة، فإن حمل الرسالة ليس باقتناء نصوصها في الجيب ورفوف المكتبة أو بجمعها وحملها على الرأس والكتف، كلا .. وإلا فالحمار أقدر على حمل عدد أكثر ووزن أكبر من أسفار الرسالة، إنما حمل الرسالة بتطبيقها والالتزام بها في الحياة، لأنها قيم وليست مادة. ولعل المثل موجه إلى علماء السوء الذين لم يرعوا أمانة العلم والدين، بل استغلوها في الوصول إلى المصالح الشخصية والشهوات، لأنهم أبرز مصاديق المحملين لمسؤولية الرسالة، وليس من أحد يشك في أن الانحراف الذي وصل إليه اليهود، ولا زالوا مرتكسين فيه، كان بسبب أدعياء العلم والدين. أوليسوا اليوم يحاربون الإسلام باسم التوراة؟ أوليسوا ينتهكون حرمة المسجد الأقصى باسم الدين وبفتاوى الأحبار؟. أَوَليسوا يمارسون الظلم والإرهاب ضد الناس؟.
بلى؛ فليست التوراة إذن هي التي تملي عليهم ذلك، لأنها رسالة الله- رسالة الألفة والمحبة والسلام-؟ إن الله كرم الإنسان على كثير ممن خلق وفضَّله تفضيلا، ولكن بأي شيء؟ هل بضخامة جسده وقوته المادية؟ كلا .. فإن كثيرا من الأحياء أقوى منه جسدا وأكبر، ولكن إنما كرامة الآدمي بالعقل وباتباع رسالات الله، فماذا بقي لدعاة التوراة وهم يخالفون هدى العقل، ويُكذِّبون رسالة الله، سوى أن يُشبَّهوا بالحمار؟.
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وحيث إنها النهج الذي يقود الإنسان إلى الصلاح وقيم الخير (الهدى) فقد ضلوا الطريق إلى ذلك، وتخبطوا في الضلال والظلم، وقد نظم الشعراء في هذا المجال أبياتاً من الشعر لعل أطرفها قول بعضهم
إن الرواة على جهل بما حملوا
مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له
ولا الجمال بحمل الودع تنتفع