من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - وتناجوا بالبر والتقوى
في جلسات الخلسة والخلوة، هنالك يحس الإنسان برفع الكلفة والتحرر من ضغط المجتمع، ولكن أليس الله ينظر إليهم ويسمع تحاورهم. أليس يحاسبهم غدا على الملأ العام. أفلا يتقونه؟.
حقًّا: إنها جميلة ورائعة حياة جماعة المؤمنين الذين إذا انتجى اثنان منهم تواصيا بالبر، ورسما خطة لتقديم الخير لغيرهما، وتناصحا بالتعاون مع الآخرين.
[١٠] ويعود السياق إلى التأكيد على حرمة النجوى السيئة، ووقوف الشيطان وراءها، وبيان أهم أهدافها الخبيثة، وضرورة التوكل على الله لمقاومتها لإبطال مفعولها السلبي في النفوس وفي واقع المجتمع إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ العدو الأول والأخطر للإنسان المؤمن، وإنما يتناجى المنافقون مع بعضهم بتلك المضامين السيئة لأنه كان يأمرهم بذلك، وكل نجوى سلبية فهي بدوافع شيطانية، كالهوى، والطمع، والمصالح المادية، وحب التفريق بين المؤمنين. ولعل الآية تدل على أن الأصل في النجوى الكراهة، لأنها مظنة الغيبة والتهمة ومركز المؤامرة ضد النظام، ولأن الشيطان يكون عند النجوى أقوى منه في أي حال آخر، ومن هنا يحسن تجنب النجوى إلا عند الحاجة.
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا إنهم يحزنون حينما يلاحظون التكتلات السرية المعادية لمبادئهم ومصالحهم، خوفا من غلبتها وحكمها في المستقبل، فإن ذلك يطفئ شعلة الإسلام في الأمة. وربنا يعالج حزن المؤمنين بإعطائهم المزيد من الثقة بإرادته ومشيئته المتصرفة في الخلق، وبدعوتهم إلى التوكل عليه، لأن الأمة التي تتوكل على ربها لا تهزمها المؤامرات وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. بلى، إن المنافقين وأعداء الأمة الإسلامية يُحيكون المؤامرات ضدها في الخفاء وبعيدا عن علم المؤمنين، ولكنها ليست غائبة عن علم الله، ولا هي أكبر من إرادته، حتى يستطيعوا الإضرار بالمؤمنين، إلا بعد أن يأذن الله بذلك. ولكن متى يأذن الله بذلك؟ إنما حين تغرق الأمة في غمرات الصراع أو السبات أو توافه الأمور، أما الأمة الموحدة الجدية الطامحة والساعية في سبيل الله فلن يترها الله أعمالها، ولن يضيع جهودها. ومادام الله يدافع عن رسالته وأوليائه وعباده فلن يسمح أن يطفأ نوره أبدا.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ وليس التوكل باللسان وحسب، إنما هو الثقة بالله، ونبذ أغلال اليأس والخوف والتردد عن النفس، والتسلح ببصائر الوحي في السعي والاجتهاد والتفاؤل، وتنفيذ مناهج الوحي في التحرك من الحكمة والتدبير وحسن الخلق والتعاون والإخلاص، فإن ذلك كفيل لو التزمت به الأمة الإسلامية بإفشال كل المؤامرات حتى تلك المؤامرات البعيدة عن أعينها، وحينذاك تسعى الأمة وبتوجيه من قيادتها الرشيدة لمقاومة مؤامرات شياطين الجن والإنس.