من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - له الأسماء الحسنى
[١٩] وإنما يدعو الله المؤمنين إلى خشيته، والاستعداد للقائه وتقواه بتحسس رقابته على الأعمال، لأن ذلك مما يميزهم من غيرهم، فيصدق عليهم اسم المؤمنين، فلو أنهم تجردوا عن هذه الخصال الثلاث لما أصبحوا في عداد أهل الجنة وحزب الله، ومن هنا نكتشف العلاقة بين الآية السابقة وهذه، فإن ما اشتملت عليه تلك يمثل أهم مضامين الشخصية المؤمنة المتمثلة في ذكر الله، الذي يجعل الفرد من أصحاب الجنة.
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي لم يتقوه، ولم يستعدوا للقائه في الآخرة، ولم يستشعروا رقابته على أعمالهم، إذن فنسيان الله لا ينحصر في الكفر المحض به تعالى وحسب، بل يمكن أن يكون المؤمن ناسيا له لو تورط في واحدة أو أكثر من هذه الأمور الثلاث. وتعبيره عنها بالنسيان يهدينا إلى أن الإيمان به وذكره مودع في فطرة البشر وذاكرته، ولكنه يحيد عن ذلك بسبب الغفلة أو الشهوة وغيرهما. وقد أوضح أئمة الهدى معنى هذه الآية الكريمة، قال أمير المؤمنين عليه السلام
«يَعْنِي إِنَّمَا نَسُوا اللهَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِه»
[١] وذلك جرهم إلى عواقب خطيرة هي الضلال والنار.
فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ نتيجة طبيعيةً لنسيانه سبحانه، فإن الذي لا يؤمن بربه، ولا يعتقد بالآخرة، لا يجد قطبًّا ثابتاً يدور حوله، ولاهدفاً حقيقيًّا يسعى إليه، إنما تتجاذبه التيارات المختلفة، فيتبع يوما مجتمعه، وثانيا: المحتلين الأجانب، وثالثا: التاريخ، ورابعا: شهوة الرئاسة، فيصير مثل ذرة تائهة تسير حسب ما تسير الريح، لا يعمل لمصلحته الحقيقية، ولا انطلاقا من غايات وجوده، فإذا به وقد حان يوم القيامة* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل: ١١١] ولم يقدم لنفسه شيئا.
وبعبارة: إن الذي يثبت للإنسان وجوده، ويعرِّفه بمصلحته، هو إيمانه بربه، فالإيمان يمنحه الاستقلال ويعطيه الرؤية السليمة تجاه نفسه والثقة بها، وهذه من مميزات بصائر القرآن تُحرِّر البشر من سلطة الهوى، وهيمنة الشهوات، وعبودية الطغاة والمترفين الذي يُمنُّونه بالهوى، ويرهِّبونه بصده عن الشهوات، كلا .. المؤمن يتجاوز هواه ليُكرِّس وجوده ولا يستسلم لجواذب الشهوة فيثبت استقلاله، ويتحدى سلطة المستكبرين ليعي ذاته، ويعود إلى كيانه، في حين أن الثقافة الجاهلية بألوانها واتجاهاتها تفقده هذه القيم، وتحدوه إلى الذوبان في محيطه، فيضل عن سواء السبيل. أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ الذين خرجوا عن حصن القيم فتخطفتهم ذئاب الهوى وسباع الطغيان.
[٢٠] بلى؛ نسيان الله يسبب الضلال، ويجعل الإنسان من أهل النار، لأن أصحاب
[١] تفسير العياشي: ج ٢، ص ٩٦، بحار الأنوار: ج ٩٠، ص ٩٨.