من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٤ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
[المنافقون: ٩]، وقال رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور: ٣٧]، وقال وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان: ٦]، وأكثر ما يتورط أحد في اللهو بسبب نسيان الموت والآخرة، ولذلك يأتي في نهاية الآية تذكير بها عند قوله وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ، وانطلاقا من هذا التعريف فإن الغناء، والرقص، ومجالس البطَّالين وجمع المال، وما أشبه من مصاديق للهو.
وإذا لَهَا الإنسان نسي السفر، ونسي الاستعداد له، فإذا بك تراه يغرق في حب الدنيا، وينصرف إلى أهداف جانبية فيها (تسمى بالزينة)، طبيعتها الفساد والزوال حتى بمقاييس الدنيا الزائلة. أرأيت الذين يصرفون الألوف من أموالهم على أمور كمالية أو ديكورية؟.
والزينة هي الأمور الثانوية التي يكمل بها الشيء، ومنها الحلي والعطر والورد لأنها تكمل جمال المرأة، قال تعالى وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [الحجر: ١٦] وقال الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: ٤٦].
والإسلام لا يعارض الزينة، بل ويستنكر تحريمها، قال تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢]، كما أنه دعا إليها، قال تعالى* يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [الأعراف: ٣١]. بلى، حرم الإسلام الإسراف فيها، فقال في خاتمة الآية وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١]، كما حرم الباطل قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣].
إن المطلوب هو حفظ التوازن المعقول بين الأمور الكمالية والأخرى الأساسية، وأن يجعل الإنسان الأمور الثانوية تكمل بالفعل الجانب الضروري من حياته، لا أن تكون بديلا عنه، أو على حسابه، ومشكلة البشرية اليوم أنها توجهت إلى الكماليات على حساب أهدافها الأساسية، ليس في مجال الالتزام بالدين وحسب، بل في مجال الحضارة، وهذا جزء من الموقف الخاطئ من الحياة الدنيا، ولا ريب أن سببه نسيان الآخرة أو الكفر بها، لأن مثل هذا الإنسان يجري وراء أهوائه ناسياً ليس فقط أهدافه السامية (في الآخرة) بل ومصالحه الحقيقية (في الدنيا)، كما قال ربنا سبحانه عن مثله وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف: ٢٨].