من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٣ - كل يوم هو في شأن
كما خلقت النار لمن عصى منهما، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، كذلك نزل القرآن لهما معا. وهناك إشارات واضحة وظاهرة إلى هذه الحقيقة قال تعالى
- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً [الجن: ١- ٢].
- وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً [الجن: ١١].
- وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً [الجن: ١٣]. ونداء كوني كهذا الذي يوجهه القرآن لا يليق إلا برب العزة، وحتى الإنسان مهما بلغ من التطلع العالمي لا يجد طريقا لمخاطبة الجن ولعل البشر يتقدم يوما حتى يصل إلى مستوى التعاون مع الجن كما حدث للنبي سليمان عليه السلام حسب القرآن قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٢٧].
٢- وأراد الوحي من ذلك أن ينسف إحدى النظريات الخاطئة التي تقف عقبة في طريق خوض الإنسان لعلم الفضاء واكتشافه كنوز الأرض ومساحاتها، وهي أن الإنسان عاجز عن النفوذ من أقطار السماء وأن ما بعد البحر والصحراء ليس إلا بحار الظلمات وعوالم غريبة مخيفة لا سبيل للبشر إليها، وأن الجن وحدهم يستطيعون ذلك، فجاءت هذه الآية لتعيد للإنسان الثقة بنفسه، وتؤكد له قدرة متساوية لا أقل مع قدرات الجن بالرغم من أن الجن خُلق من مارج من نار فهو بطبعه- حسب نظرة البشر- ضعيف قابل للنفاذ والإنسان خُلق من صلصال من طين فهو بطبعه- حسب رؤية البشر- ليس قابلًا للنفاذ.
٣- ولعل في الآية معنى حضاريًّا يستهدف إثارتنا والجن نحو التسابق إلى تحقيق التطلع الحضاري الذي تطرحه الآية بالنفاذ في أقطار السماوات والأرض. ثم إن الآية تقول إِنْ اسْتَطَعْتُمْ ولا تقول: لو استطعتم؛ لأنها للامتناع، في حين إِنْ للشرط، وربنا يعبر عن هذا الشرط بالاستطاعة أي القدرة بتمام المعنى وشموله وهذا يشبه قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]، ولكن الاستطاعة في النفاذ من أقطار السماء والأرض لا تتحقق إلا بدراسة التحديات الموجودة في الطريق إلى ذلك التطلع وتجاوزها، وأهمها اثنان
الأول: الأخطار المحتملة كالأجرام السماوية الحارقة وهذا ما سيأتي الحديث عنه عند الآية (٣٥).