من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - سبحان الله عما يشركون
مخالفة للعقل، وأن الدليل على كونها من الله عدم قدرة البشر على المجيء ولو بحديث واحد يشبهها، نجد السياق هنا ينعطف لإثبات وجود الخالق عز وجل عبر تساؤلات ثلاث
الأول: أن يكونوا (الكفار وعموم الخلق) قد خُلقوا من غير خالق.
الثانية: أن يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم.
الثالثة: أن يكونوا هم الذين خلقوا السماوات والأرض.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ والتعبير هنا عن الخالق بالشيء ليس من باب أنه سبحانه يشبه الخلق، وإنما لإثبات أنه حق فالشيء في مقابل العدم مع نفي لوازم الشيئية المعهودة المساوقة للمخلوقية [١]، ففي مقام الربوبية ليس لنا سبيل إلا بقدر الخروج عن حد النفي والتعطيل، أو بتعبير آخر: نفي النفي وإعدام العدم، أما أن نثبت- وراء ذلك- لربنا القدوس ذاتية معلومة أو موهومة أو متخيلة فلا، فهو شيء أي أنه حق قائم قيوم ولكن لا كالأشياء الكائنة التي يحيط بها العلم ويتصورها القلب.
وليس أحد يعتقد في نفسه ولا يعتقد فيه الآخرون العقلاء بأنه مصداق لأحد هذه الفروض الثلاثة ولا التي ستأتي بعدها، ذلك أن المخلوق لا يأتي من الفراغ ما دامت شواهد الصنع ظاهرة فيه، بل لا بد له من خالق، وواضح أنه لا يمكن للشيء أن يخلق نفسه إنما يحتاج إلى صانع غيره، ويكفي الإنسان شاهدا على نفسه بأنه ليس الخالق أن ينظر حوله إلى السماوات والأرض هل يعقل أن يكون قد خلقهما هو أو بشر مثله؟.
أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ إن المشكلة مشكلة نفسية ولو كانت عقلية لانحلت بشيء من التفكير في مثل هذه الفرضيات إنهم لا يريدون الإيمان لكيلا يلزموا أنفسهم بمسؤولياته، إذن فالنقص موجود فيهم لا في حجج الحق التي تقوى عليهم!.
[٣٧] ثم دعنا من حديث الخلق ولنسأل: ماذا لدى الكفار من الملك والسيطرة حتى يتكبروا على الحق اعتمادا عليهما؟ إن أكثر من ٩٩% من ثروات البشر وقدراته هي رزق مباشر
[١] [... قَالَ السَّائِلُ: فَقَدْ حَدَّدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ؟!. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
لَمْ أُحَدِّدْهُ وَلَكِنْ أَثْبَتُّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَنْزِلَةٌ.
قَالَ السَّائِلُ: فَلَهُ إِنِّيَّةٌ (التحقق) وَمَائِيَّةٌ (صفة الشيء)!. قَالَ عليه السلام
نَعَمْ لَا يَثْبُتُ الشَّيْءُ إِلَّا بِإِنِّيَّةٍ وَمَائِيَّةٍ
. قَالَ السَّائِلُ: فَلَهُ كَيْفِيَّةٌ!. قَالَ عليه السلام
لَا لِأَنَّ الكَيْفِيَّةَ جِهَةُ الصِّفَةِ وَالإِحَاطَةِ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ الخُرُوجِ مِنْ جِهَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ لِأَنَّ مَنْ نَفَاهُ أَنْكَرَهُ وَدَفَعَ رُبُوبِيَّتَهُ وَأَبْطَلَهُ وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ، فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِينَ المَصْنُوعِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ ذَاتٍ بِلَا كَيْفِيَّةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ لَا يُشَارِكُ فِيهَا وَلَا يُحَاطُ بِهَا وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ»
. (بحارالأنوار ج: ١٠، ص: ١٩٨- ١٩٧).