من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥١ - كل يوم هو في شأن
سبقا على العلم الحديث بأكثر من (١٣) قرنا من الزمن، ولا غرابة فهو كتاب الله.
إن الفلسفات البشرية كانت دائما تُكبِّل عقل الإنسان، وتُقيِّد طموحاته، وتضع إصراً على نفسه تمنعه من الثقة بها والتوكل على ربه، وذلك عندما كرَّست الجهل ووضعت مجموعة نظريات بدائية عن الإنسان والعالم واعتبرتها غاية العلم ونهاية المعرفة، فتحولت إلى سقف للفكر وسجن للعقل، وعقبة اجتماعية كأداء أمام التقدم.
وكانت من أهداف رسالات الله كسر هذه الحدود الوهمية، وبعث الإنسان نحو آفاق العلم وإثارة تطلعاته الكامنة. هكذا يقول ربنا سبحانه عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه واله يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧].
لقد كانت السيارة وسيلة المواصلات في ذلك العصر أمرا مستحيلا لا يداعب مجرد خيال الناس، فإذا بالقرآن يأخذهم بعيداً جداً ليحدثهم بما يتضمن التشجيع على الوصول إلى أقطار الأرض وآفاق السماء. وكم يُنمِّي مثل هذا الحديث من الله المقتدر الثقة في الإنسان بنفسه، ويوسع من حدود طموحاته حينما يسمعه مصدِّقاً به مؤمناً بقوله.
لقد اختلف المفسرون وهم يبحثون عن مضمون الآية (٣٣) التي تقول يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا مع أنها واضحة.
لماذا؟ لأن فكر الإنسان يتحدد بالجو العلمي المحيط، فبعد أن اتصل فكر المسلمين بالفكر الإغريقي وبالذات في مجال الهيئة البطليموسية التي كانت تتصور السماء من الجواهر غير القابلة للرتق والفتق؛ ظهرت عند المفسرين آراء بعيدة، فقالوا بما أنه يستحيل على الإنس والجن أن يصعد إلى الآفاق فإن إِنْ اسْتَطَعْتُمْ في الآية ظاهر في التحدي، أي إنكم لا تستطيعون أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض في حين أن الآية ظاهرة في خلاف ذلك حيث نقرأ في نهايتها لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فهم ينفذون ولكن بسلطان. وهكذا القرآن لم تنعكس على آياته النظريات العلمية الشائعة في عهد نزوله، ولو كان من صنع البشر لكان يستحيل أن يبقى معتصما عن آثارها عليه أليس الإنسان يكوِّن أفكاره من الجو العلمي المحيط به؟ ألا ترى كيف أن تفاسير الناس للقرآن تأثرت بالأجواء العلمية لعصر كتابتها، مع أنها كانت تحوم حول الكتاب المتعالي عن النقص، ولا نجد كتابا ألفَّه البشر عبر التاريخ إلا وكان مرآة للمستوى العلمي الذي بلغه الناس يومئذ إلا القرآن، أَوَلا يهدينا ذلك إلى أنه كتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟.