من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٤ - كل يوم هو في شأن
الثاني: تحدي طبقات السماء والأرض، وهو التحدي الأساسي والثابت، فإذا ما أراد الإنسان أن يصل إلى كنوز الأرض عمقا فلا بد أن يتحدى وهو يقطع المسافة من السطح إلى المعدن الطبقات المختلفة.
وهكذا إذا أراد اختراق الآفاق باتجاه القمر أو أي هدف آخر في السماء، فإنه سوف يواجه تحديات أكبر إذ لا بد أن يصل إليه بالعلم أولا من قبل وصوله المادي إليه فربما يتحطم كما حدث في التجارب الأولية للإنسان في هذا الحقل، فهناك تحدي الجاذبيات، والطبقات التي يختلف بعضها عن بعض، حيث تنعدم الجاذبية في بعضها، ويرتفع الضغط في أخرى، وينعدم الأوكسجين في أكثرها، بل يحتوي بعضها على غازات مضرة بالإنسان، ولعل معنى النفاذ وهو لا يكون إلا من المانع يدل على هذه التحديات، وقد كشف العلم الحديث ولا يزال عن جانب من تلك التحديات، وخبراء المحطات الفضائية الآن لا يرسلون الأقمار والخبراء إلا بعد الدراسات المفصلة لطبقات الجو، لكي يختاروا المكان الأضعف والمناسب للنفاذ منه.
وإذا ما استطاع الإنس والجن الانتصار على تلك التحديات فإنهم ينفذون من الأقطار حيث يقول ربنا سبحانه فَانفُذُوا وهذا الفعل ليس فقط يفيد الإمكان، بل ينطوي حسب الظاهر على الدعوة والتحريض إلى النفاذ، فهي كقوله سبحانه فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥]، وقوله قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا [العنكبوت: ٢٠]، وقوله قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢]، وهكذا ينبغي للإنسان أن يستفيد من قدراته في تسخير أكبر مساحة من هذه الكائنات التي خلقت من أجله، فربما وجد بالإضافة إلى المعرفة شفاء لكثير من أمراضه وحلًّا لمشاكله وأزماته في الآفاق.
هكذا يسعى الإسلام من أجل رفع الأغلال التي تضعها الفلسفات البشرية على النفس والعقل عن الإنسان لينطلق نحو تطلعاته وأهدافه الكبرى. ولكن الإسلام إلى جانب ذلك لا يطلق الثقة هكذا بلا حد لكيلا تصبح تمنيات وأحلاما، إنما يؤكد أن الثقة وحدها لا تصل بالإنسان إلى طموحاته، ولا تحقق أهدافه، بلى؛ هي الوقود الدافع له من داخله، وحتى ينطلق في الواقع العملي، لا بد أن يحصل على سلطان، وهو العلم الذي يتحول إلى برنامج، فقدرة فعلية.
لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ال- لا هنا ليست للنهي وإلا جاء الفعل بعدها مجزوما بحذف النون، إنما هي للنفي، وهذا يعارض قول من قال: إن ظاهر الآية هو التحدي. نعم ربنا يتحدى الجن والإنس إذا حاولوا النفاذ من دون سلطان، لأن في الطبيعة قوانين وواقعيات، والهيمنة عليها وتسخيرها ممكنان ولكن بما هو فوق ذلك كله من السلطان.