من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٣ - ويؤثرون على أنفسهم
سوف تتضخم فتراكم العقد في نفوسهم، وتدفعهم إلى سلوك اجتماعي خطير تجاه الآخرين، ولذلك جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام
«لِلْحَاسِدِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يَتَمَلَّقُ إِذَا شَهِدَ ويَغْتَابُ إِذْ غَابَ ويَشْمَتُ بِالمُصِيبَةِ»
[١] ولك أن تتصور مجتمعا متحاسدا يكاد يتمزق داخليًّا كيف يتسنى له أن يتقدم حضاريًّا، وكيف ينتصر أمام التحديات الكبيرة.
ثالثاً: الإيثار .. وهو علامة الإيمان، والمظهر الخارجي للحب الصادق تجاه الإخوان، وقمة التماسك في جبهة الإيمان، حيث التفاني والتضحية من أجل الغير لوجه الله، والمؤمن الصادق هو الذي يقدم نفسه للخطر ليسلم الآخرون، ويؤخرها عند المكاسب ليغنموا. أوليس يبحث عن القمة السامقة من الإيمان والفرح التي تتمثل في الإيثار؟ بلى؛ وهو لا يقيم وزنا لحطام الدنيا حتى يتقاتل عليه أو ينفرد به.
والأنصار لم يكونوا أحبوا إخوانهم المهاجرين، وتطهروا من الحسد تجاههم فحسب، بل وآثروهم على أنفسهم، ووصلوا من الإيثار سنامه، حينما تنازلوا عن حظهم من القسمة رغم حاجتهم الشديدة وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فهم لم يجعلوا عوزهم وحاجتهم الشديدة تبريرا لترك الإيثار، وقد اهتم أئمة أهل البيت عليهم السلام ببيان فضيلة الإيثار، والدعوة إليها، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
«خِيَارُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ وشِرَارُكُمْ بُخَلَاؤُكُمْ، ومِنْ خَالِصِ الإِيمَانِ البِرُّ بِالإِخْوَانِ والسَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ، وإِنَّ البَارَّ بِالإِخْوَانِ لَيُحِبُّهُ الرَّحْمَنُ وفِي ذَلِكَ مَرْغَمَةٌ لِلشَّيْطَانِ وتَزَحْزُحٌ عَنِ النِّيرَانِ ودُخُولُ الجِنَانِ. يَا جَمِيلُ أَخْبِرْ بِهَذَا غُرَرَ أَصْحَابِكَ.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَنْ غُرَرُ أَصْحَابِي؟ قَالَ عليه السلام
هُمُ البَارُّونَ بِالإِخْوَانِ فِي العُسْرِ واليُسْرِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جَمِيلُ! أَمَا إِنَّ صَاحِبَ الكَثِيرِ يَهُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ مَدَحَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ القَلِيلِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] [٢].
وجاء في حديث آخر مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام فيما رواه عنه أبان بن تغلب قال: [سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَقِّ المُؤْمِنِ عَلَى المُؤْمِنِ، فَقَالَ عليه السلام
يَا أَبَانُ دَعْهُ لَا تَرِدْهُ،
قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلَمْ أَزَلْ أُرَدِّدُ عَلَيْهِ فَقَالَ عليه السلام
يَا أَبَانُ تُقَاسِمُهُ شَطْرَ مَالِكَ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَرَأَى مَا دَخَلَنِي، فَقَالَ عليه السلام
يَا أَبَانُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ ذَكَرَ المُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؟.
قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ. فَقَالَ عليه السلام
أَمَّا إِذَا أَنْتَ قَاسَمْتَهُ فَلَمْ تُؤْثِرْهُ بَعْدُ إِنَّمَا أَنْتَ وهُوَ سَوَاءٌ، إِنَّمَا تُؤْثِرُهُ إِذَا
[١] مستدرك الوسائل: ج ٢ ص ٤٤٢.
[٢] الكافي: ج ٤، ص ٤١.