من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٨ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ هذه هي الصورة الحقيقية والسليمة التي يجب أن تكون عليها علاقة المجتمع المؤمن بأعداء الله عز وجل، متمثلة في إعلان العداء على الاستمرار، لا تقطع ذلك عاطفة ولا شهوة أو مصلحة أَبَداً.
بلى؛ إذا اهتدى المشركون والضالون إلى الإيمان بالحق، لا يبقى بعدئذ مبرر لموقف البراءة (الكفر، إظهار العداوة والبغضاء)، ذلك أن المؤمن لا يعادي أحدا لعنصرية أو قومية أو بسبب أحقاد متوارثة أو مصالح متضاربة، إنما تقوده المبادئ في كل مواقفه، وكما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في صفته
«قَدْ أَمْكَنَ الكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ، وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ» [١].
حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وهذا المقطع يفسر قوله تعالى في [الآية: ٧]* عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً بأن المودة بين المؤمنين والأعداء تكون إذا آمن أولئك ونبذوا الأنداد والضلال أو سلَّموا لقيادة المؤمنين.
ثم يستثني القرآن لقطة واحدة من حياة إبراهيم عليه السلام يعالجها ويرفع ما حولها من غموض، فيقول إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.
ولهذه الآية تفسيران
الأول: أن تكون هذه اللقطة من حياة إبراهيم عليه السلام مستثناة من عموم التأسي، فلا ينبغي لمؤمن أن يأتم به فيها. قال بعضهم ذلك، وبرر بأحد الأمرين
١- أن الله سبحانه قد خص بذلك إبراهيم عليه السلام وأمره به لأسباب يعلمها ولمدة محدودة، كما أجاز لنبيه صلى الله عليه واله الزواج بأكثر من أربع، حيث إن إبراهيم عليه السلام لم يقف عند حدود الوعد بل استغفر له، قال تعالى يحكي عنه وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٨٦].
٢- أو لأن القرآن يشير بعض الأحيان إلى التراجعات التي تحدث في حياة الأنبياء لكيلا يتحولوا إلى آلهة في نظر المؤمنين بهم وأتباعهم، بالذات وأن هناك سابقة في الاستغفار عند النبي نوح عليه السلام حيث قال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٥- ٤٦].
[١] نهج البلاغة: خطبة ٨٧.