من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٠ - ويؤثرون على أنفسهم
الشجاعة الكافية للظهور على حقيقتهم، وكان الأولى لهم أن يخافوا الله الشاهد عليهم لو كانوا يعلمون ويؤمنون بالغيب. لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي لا يعرفون الحقائق بعمق، وإلى حد اليقين، وإلا لكانوا يتركون النفاق والتعاون مع أعداء الحق خشية سطوة الله وعذابه في الدنيا والآخرة. وهذه الصفة متأسِّسة على النظرة المادية للحياة، فهم لا يعيشون حقائق الغيب، ولذلك لا يخشون ما يتصل بها كالخالق عز وجل، وقال سبحانه صُدُورِهِمْ لبيان خلوها من الإيمان بالله.
[١٤] ومن مظاهر خوفهم وهزيمتهم الداخلية أنهم لا يملكون شجاعة المواجهة المباشرة مع المؤمنين، إنما يتوسلون بألوان الدفاعات الممكنة خشية الموت.
ومن أسباب ضعفهم بالإضافة إلى روح الهزيمة هذه التفتت في الجبهة الداخلية اجتماعيًّا لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً صفا واحدا متكاتفا (المنافقين والكافرين، أو أفراد الجبهة المعادية بصورة عامة) لأنهم لا يجتمعون- بسبب الخوف، أو بسبب اختلاف المصالح والأهواء- على رأي وموقف واحد أبدا، أنى كانت الوحدة هي الصورة الظاهرة فيهم.
إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ يأمنون بحصونها على أنفسهم من الهزيمة، أو لا أقل من الموت ولو بصورة نسبية أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ والجدر جمع جدار وهو الحائط، وإنما يحاربون من ورائه لخشيتهم من الموت، وجبنهم من المواجهة، وهو يشبه جدار النفاق الذي يسترهم عن الفضيحة والجزاء، ولعل ذلك يفسر خلفيات قرار الرسول صلى الله عليه واله بهدم بعض بيوت بني النضير، وقطع نخيلهم بأنهم كانوا ينتفعون بها في الحرب للتستر والتسلل والتحصن، وهب أنها توفرت الحصون والجدر وتجمعوا ظاهريًّا في صف واحد، ومن أجل غاية واحدة، فإن ذلك لا يعني أنهم متوحدون، فإنك لو فتَّشت قلوبهم وقلَّبت آراءهم لوجدتها متفرقة ومتناقضة، بل لوجدتهم متناحرين في كثير من الأحيان، والسبب أنهم لا يدورون على محور واحد، ولا يسعون نحو هدف واحد كما يدور المؤمنون مع الحق أينما دار، ويستهدفون إقامة الحق في الأرض. وأساسا الفرق بين الحق والمصالح: هو أن الحق واحد، والأهواء والمصالح تتناقض وتعود إلى صراعات داخلية جذرية ودائمة.
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي أنهم يعادون بعضهم عداوة شديدة، حتى أنهم يقتلون بعضهم بشدة، وهذه صفة معروفة عن اليهود، وقيل معناه: أنهم حينما يتحدثون بينهم يتظاهرون بالشدة، ويكيلون الوعيد على أعدائهم، في حين أن قلوبهم خاوية من الشجاعة، والمعنى الأول أقرب إلى السياق، لقوله سبحانه تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً متحدين، كما يتظاهرون بذلك أو يظهره إعلامهم وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متباينة، وإن الاختلاف الجذري والحقيقي هو