من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - والسابقون السابقون أولئك المقربون
[٣] يومئذ تتموج الكائنات كماء البحر الهائج، فتنخفض الأرض المرتفعة، وترتفع الأرض المنخفضة، وهكذا الناس.
خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، المستكبرون الذين علوا في الأرض بغير حق تخفضهم إلى حضيض جهنم، والمستضعفون الذين حُرِموا حقوقهم ترفعهم الواقعة إلى الدرجات العلا في الجنة. جاء في الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام: [خَافِضَةٌ
خَفَضَتْ وَالله بِأَعْدَاءِ الله إِلَى النَّارِ،
رَافِعَةٌ
: رَفَعَتْ وَالله أَوْلِيَاءَ الله إِلَى الجَنَّةِ» [١].
[٤] أرأيت كيف يتحرك المهد بالصبي، كذلك الأرض ترتج يومئذ بما عليها، حتى ينهدم كل ما بني، ويتهاوى كل قائم.
إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً قال ابن عباس: [الرجة: الحركة الشديدة، يسمع لها صوت] [٢]، ويبدو أن الرجة أعظم من الزلزال، لذلك روي
«مَنْ رَكِبَ البَحْرَ حِينَ يُرْتَجُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُ»
[٣] أي إذا اضطربت أمواجه، ولا ريب أن تموُّج البحر حالة دائمة، وإنما المراد بالارتجاج: اضطراب البحر وهيجانه. و لنا أن نتصور رهبة الناس عندما تضطرب الأرض من تحتهم، فهل يبقى ما يعتمدون عليه؟!.
[٥] وإذا كانت الأرض أعظم ركائز السكينة والطمأنينة تتزلزل من تحتنا، فإن الجبال وهي أكبر ركائز الثقة والثبات تتفرق وتتبدد، فهل تبقى قائمة للماديين الذين خالفوا القيم، وكذبوا بالحق اعتمادا على الكائنات الموجودة، على التراب استخرج منه، أو نبت فيه، أو بني عليه، وعلى الجبال وما شابهته من الصخر والحديد؟. وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً أرأيت الحية كيف تذهب في الأرض، كأنها تذوب فيها، أرأيت الماء كيف يتفرق في الرمال العطشى؟ أرأيت كيف يتفتت الثوب حينما يصبح خَلِقاً بالِياً؟ هكذا الجبال الراسيات تتفرق في كل اتجاه، كما يتفرق العهن المنفوش إذا تواصلت عليه الأعاصير الهوج.
[٦] فإذا بُسَّت الجبال انتشرت في الفضاء كما الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب حسب ما رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً وقال البعض: [الهباء: هو الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار] [٤]، ولعل الجاذبية تنعدم مما تجعل الصخور تفقد تماسكها الداخلي، فتتفتت إلى ذرات متناهية في الصغر، ولعلها تتلاشى كما الشرر المتطاير من
[١] بحار الأنوار: ج ٧٠، ص ٩٢.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ١٩٦.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ١٩٦.
[٤] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ١٩٧.