من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - والسابقون السابقون أولئك المقربون
النار، فإذا وقع على شيء لا تجده شيئا حسب تفسير آخر لكلمة الهباء.
وقالوا: المنبث المتفرق كما قال ربنا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة: ١٦٤]، وحال الجبال في الواقعة بعكس واقع أعمال الكفار، وما يعتمدون عليه في الدنيا، من سلطة وثروة وجاه. إن كل ذلك ليس في الحقيقة إلا ضلال كما ضلال الجبال، تحسبها شامخة فإذا اتكأت عليها ما أغنت عنك شيئا.
[٧] وإذا كانت الماديات بكل ضلالها وغرورها كما الجبال يوم القيامة، فإن أسباب التفاخر في الدنيا، وعوامل التمايز بين طوائف الناس ما هي إلا باطل. بلى؛ يتفاضل الناس بإيمانهم وأعمالهم، لا بألوانهم وألسنتهم وثرواتهم، ومناطق توالدهم وتواجدهم، كما يزعم أهل الدنيا.
وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً كنتم في يوم القيامة ثلاثة أصناف، كما أنتم في الدنيا ثلاثة أصناف، إلا إنكم اليوم محجوبون عن حقيقة أنفسكم وحقيقة ما به تتفاضلون. قالوا: [إنما سموا أَزْوَاجاً لأن كل صنف يشاكل أبناؤه كما يشاكل الزوج زوجته] [١]. وقال البعض: [لفظ (الزوج) لايقال دائماً لجنس المؤنث والمذكر، بل تطلق هذه اللفظة على الأمور المتقارنة مع بعض، ولكون أصناف الناس في القيامة والحشر والنشر تكون متقارنة مع بعضها، لذا يطلق عليها لفظ أزواج] [٢]، ويبدو أن هذا المعنى أقرب.
[٨] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ تفاءلت العرب بالجانب الأيمن، وانتزعوا له اسما من اليُمْن، وانتظار الخير، وربما سموا التقدم يمينا، والتخلف شمالا، فقالوا: [اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي اجعلني من المتقدمين] [٣]. ولأن أصحاب الجنة يُؤْتَون كتبهم بأيمانهم فإن اليمين يصبح يومئذ رمزا لدخول الجنة، وقال بعضهم: [إن الكلمة هنا تعني أصحاب اليُمن في مقابل أولي الشؤم في الآية الآتية]، ولكن يبدو أن التفسير الأول أظهر، بالنظر إلى استخدام اليمين في أهل الجنة في النصوص الإسلامية. فيبدو أن اليُمن مأخوذ من اليمين بينما تشاءم العرب من الشمال لتعسّر استعمال الشمال. فإذن (اليمين- الشمال) وهو إشارة إلى كلا الطبقتين من الدلالة اليمين واليُمن والشمال والشؤم، نعم ورد في الآية التاسعة الْمَشْئَمَةِ تركيزا على العاقبة السيئة بينما ذكرهم في الآية (٤١) ب- الشِّمَالِ.
[١] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ١٩٨، نقلًا بتصرف.
[٢] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٧، ص ٤٤٧.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ١٩٩.