من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٨ - والسابقون السابقون أولئك المقربون
التي لا تكذيب لها، هنالك عندما تخفض فريقا إلى النار، وترفع آخر إلى الجنة، عندما تهتز الأرض، وتتفتت الجبال، وتنتشر هباء في الفضاء.
ولكن لماذا هذه الكلمات في فواتح تلك السور، التي تُذكِّر العباد بيوم المعاد الرهيب؟ ربما لأن الناس في غفلة شاملة، لا ينتفعون شيئا بالعبر والعظات، فهم بحاجة إلى هزة عنيفة لعلهم يستمعون إلى النذير.
ثم تمضي السورة تحدثنا عن الفرق الثلاث التي تفرزها عن بعضها الواقعة: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. المقربون الذين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين في نعيم مقيم، يتكئون على سرر منسوجة بالذهب، مشبكة بالدر يتقابلون مع بعضهم براحة وسكينة، وزوجاتهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، يعيشون في صفاء وهناء بعيدا عن اللغو والتأثيم، في حياة كلها سلام ووئام.
بينات من الآيات
[١] حينما تقوم القيامة، وينهار نظام الأفلاك، وتنعدم الجاذبية، وتتلاقى الكرات، هنالك هل يمكن تكذيبها؟ كلا .. أم ينفع التصديق بها من كذب بها من قبل؟ أبدا.
دعنا إذن نصدق بها اليوم قبل ضياع الفرصة الوحيدة.
إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ قال بعضهم إِذَا هنا صلة، ومعنى الآية: وقعت الواقعة، ولنا أن نقول: إنها ظرف زمان معناه: حينما تقع الواقعة لا تكذيب لها.
والقرآن الكريم يجعلنا نعيش بآياته الكريمة المستقبل كما نعيش الحاضر، ذلك أنه كلما كان وعي البشر للحقائق القادمة أشد وأنمى كَيَّفَ حياته وفقها، وهكذا يتفاضل الناس بينهم بما يستوعبون من حقائق المستقبل في حاضرهم فيزدادون اجتهادا إليها وسعيا، ويحذرون من الانحراف عنها، والغفلة عنها.
[٢] لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ إنها وقعة صادقة وليست كاذبة، وقال بعضهم: لا نفس تكذب بها، والمعنى الأول أشد وقعا في الفؤاد؛ فليس شيء في الطبيعة قادرا على تكذيبها لأنها تفرض نفسها على كل ذرة من الكائنات. في حين أن المعنى الثاني يخص البشر؛ فإنه لا أحد يقدر على التكذيب بها، ليس فقط حين وقوعها، وإنما الآن أيضا لا يمكن التكذيب بها لمن أوتي عقلا وإحساسا. أوليست الحياة كلها تهدينا إلى أنها ذات هدف وحكمة، أَوَيمكن تصور حكمة لها من دون الإيمان بالساعة كما قال ربنا وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا [الحج: ٧].