من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
فاسأله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، قالت: فدعني أسأله، فقال: سليه، فأتت النبي صلى الله عليه واله وعائشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء تجمعني وإياه تنعشني به؟!. فقال صلى الله عليه واله: ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليَّ، فقال صلى الله عليه واله: ما أراك إلا حرمت عليه ولم أؤمر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه واله، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه واله: حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وحاجتي وشدة حالي، اللهم فأنزل على لسان نبيك. وكان هذا أول ظهار في الإسلام.
فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك أ ما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه واله، وكان صلى الله عليه واله إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضى الوحي قال: ادعي زوجك فتلا عليه رسول الله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ إلى تمام الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه واله وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى عليَّ بعضه إذ أنزل الله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ فلما تلا عليه الآيات قال له: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: إذن يذهب مالي كله والرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال صلى الله عليه واله: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كَلَّ بصري وخشيت أن يغشى عيني، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا والله إلا أن تعينني على ذلك يا رسول الله، فقال: إني معينك بخمسة عشر صاعا وأنا داع لك بالبركة، فأعانه رسول الله صلى الله عليه واله بخمسة عشر صاعا ودعا له بالبركة فاجتمع لهما أمرهما] [١].
وحينما نتدبر آيات الدرس على ضوء هذا النص التاريخي نستوحي بصيرتين
الأولى: أن هذه الحادثة جعلت مناسبة لنزول الوحي ليكون أبلغ أثرا، وهكذا الكثير من الأحداث التي تزامنت ونزول آيات من الذكر الحكيم.
الثانية: حضور الوحي عند قضايا الأمة ومشاكلها، فليس الوحي أفكارا مثالية، إنما كان حاضرا مع كل حدث، وشاهدا على كل قضية، مما جعله قطب رحى الأمة وأساس بناء حضارتها.
فلا غرابة أن ترتجي خولة حلًّا لمعضلتها عند النبي صلى الله عليه واله، بل وتحاوره إلى حد الجدال،
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٥٨.