من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٣ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
إن الله سمع تحاورهما، فلماذا لا نراقبه في سرائرنا، ولماذا نخوض في أحاديثنا مع الخائضين؟ لماذا لا نجأر إليه عند الشدائد، أوليس ربنا نعم الرب لنا، فلماذا لا نصبح نعم العبيد له؟! يقول الإمام الحسين عليه السلام في دعائه المعروف في يوم عرفة
«وَإِلَى غَيْرِكَ فَلَا تَكِلْنِي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِلَى القَرِيبِ يَقْطَعُنِي أَمْ إِلَى البَعِيدِ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى المُسْتَضْعِفِينَ لِي وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي، أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتِي وَبُعْدَ دَارِي وَهَوَانِي عَلَى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي» [١].
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يحيط بظاهر الكلام بَصِيرٌ ينفذ علمه إلى ما تنطوي عليه السرائر.
والآية تعكس صورة عن مكانة المرأة في الإسلام، وأنها مع الرجل على حد واحد في علاقتها مع قيادتها الرسالية، تجادلها في حقوقها، وتشتكي عند المشاكل لديها، وتحاورها في مختلف القضايا والمواضيع، تستمع القول وتبدي الرأي، باعتبارها مكلفا له حقوقه وعليه واجباته الشخصية، بل باعتبارها جزءا من الأمة يهمها أمر الإسلام والمسلمين، وينعكس عليها التقدم والتخلف، والنصر والانكسار، فهذا الرسول القائد لا يصد خولة عن التصدي لموضوع الظهار لأنها امرأة، إنما يستقبلها بصدره الرحب رغم إلحاحها، وهي تروم الوقوف بوجه مشكلة تهم كل مسلم ومسلمة، وتتصل بالنظام الاجتماعي للأسرة. وقد تعودت هذه المرأة على هذه الخصلة، كما تعودت سائر النساء والرجال في العهد الأول، على ممارسة حريتهم في مواجهة ما كانوا يرونه خطاً، فقد روي أن عمر بن الخطاب: [مر بها في خلافته والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلا ووعظته، وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب] [٢].
[٢] ويعالج القرآن مشكلة الظهار في البدء بنسف التصورات الجاهلية بأن الزوجة تصبح أمًّا لزوجها بمجرد أن يقول لها: [أنت عليَّ كظهر أمي]، وذلك من زاويتين
الأولى: الزاوية الواقعية، فالأمومة ليست صفة اعتبارية يمكن إعطاؤها بالكلام كما العقود. إنها ليست كالمال يكون لك فتُملِّكه غيرك هبة أو بيعا أو وراثة ليصير ماله، إنما هي صفة تكوينية طبيعية يُعبَّر بها عن علاقة شخصين أحدهما والدة والآخر مولود الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ.
الثانية: الزاوية الشرعية، فالشرع قائم على أساس الواقعيات، وإنما يحرم زواج الرجل
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٢١٨.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٤٩.