من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٩ - وتناجوا بالبر والتقوى
وهناك نوع من النجوى السلبية المنهي عنها في الإسلام، وهي تختص بتناجي المؤمنين مع بعضهم في المجالس، بغض النظر عن مضامينها، فقد كره الإسلام أن يتناجى اثنان بحضور ثالث، قال رسول الله صلى الله عليه واله
«إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ» [١].
[١١] لكي يتحسس المؤمن أن الله رقيب عليه حاضر معه شاهد عليه يبصِّره القرآن بآداب الخلوات، عندما يختلي بزوجته (عليه ألَّا يُظاهر، وإذا ظاهر فعليه ألا يعاشرها بوصفها زوجة إلا بعد كفارة)، وعندما يقرر التناجي وينشط الشيطان في قلبه لكي يحرف اتجاه تناجيه إلى الفساد، وعندما يجلس مع المؤمنين كيف يجلس متواضعا مراعيا للقيم الإسلامية.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا لكي تستوعب الحد الممكن من المؤمنين الحاضرين، فتعم الفائدة، ويشعر الجميع بالاحترام والتقدير المتبادل. وإن ذلك يستتبع توسيعا من قبل الله للمتفسحين تقريبا لهم منه، وإثابة على الاستجابة له يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا أي قوموا وقوفا، أو تركا للمكان في المجلس .. فَانشُزُوا وإذا كان هذا الأدب يعم المؤمنين جميعا فإنه يكون أهم بالنسبة إلى المؤمنين أولي العلم، لأنهم أولى بالقرب من القيادة، وبتصدر المجالس من غيرهم يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ درجات بمثل درجاتهم الإيمانية والعلمية.
وهذه الآية تنفي مقاييس التفاضل المادية، كما أنها تعطي المكانة وزمام القيادة في الأمة لأصحاب الكفاءة الحقيقية (المؤمنون العلماء) وليس لأصحاب المال والأولاد، وهذا التأكيد على مكانة المؤمنين والعلماء، وأنهم أولى بالقيادة، يأتي في مقابل ظنون المنافقين وتصوراتهم الضالة عن القيادة والأفضلية، حيث اعتبروها لأولي المال والأولاد والأتباع الأكثر، وهذا ما دفعهم للتآمر على قيادة الرسول صلى الله عليه واله والتخطيط للعصيان والتمرد ضدها، إذ قالوا: كيف يصبح هو القائد وليس أكثرنا مالا وولدا؟!.
وفي ختام الآية يذكرنا الله بكل ما يعمله الإنسان، لكي نزداد حذرا منه وتقوى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قال قتادة: [كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَإِذَا رَأَوْا مَنْ جَاءَهُمْ مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجَالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ الله فَأَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ يَفْسَحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
وَقَالَ المُقَاتِلَانِ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله فِي الصُّفَّةِ وَفِي المَكَانِ ضِيقٌ وَذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَفِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَقَدْ سَبَقُوا فِي المَجْلِسِ فَقَامُوا حِيَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُ
[١] مستدرك الوسائل: ج ٨، ص ٣٩٩.