من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٧ - وتناجوا بالبر والتقوى
وربنا لم يفضح ظاهر نفاقهم وحسب، بل فضح نواياهم وسرائرهم الخبيثة أيضا؛ حينما أخبرهم بالذي يدور في داخلهم وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ أي لو كان الرسول صادقا بالفعل فلماذا لا يغضب الله له؟ ويتخذون عدم حلول العذاب بهم ذريعة لإثبات سلامة خطهم، والإصرار عليه. ويبطل القرآن كون هذا دليلا على صدقهم، حتى لا يتأثر المؤمنون بدعاياتهم وأفكارهم المضللة، مؤكدا أنهم يجازون ما يكفيهم من العذاب على ذلك ولكن بعد حين حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ، والآية تشير إلى أربعة ذنوب رئيسية اقترفها المنافقون وهي: تجاوز نهي الله بالعودة إلى النجوى، وممارسة النجوى بالإثم ومعصية الرسول، والتحية السيئة المخالفة للحق، والافتراء على الله بقولهم في أنفسهم لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ.
[٩] ولا يحرم الله النجوى (وهو الحديث الخاص والمكتوم) على المؤمنين، إنما يحرم اشتمالها على الإثم والمضامين المحرمة، وإلا فهي مباحة، بل قد تكون مطلوبة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ لأنها مناجاة المنافقين، وبهذا النهي يقف الإسلام ضد تنامي حركات سرية مناهضة للنظام الإسلامي. والقرآن يحرم المضامين الباطلة والسيئة للنجوى، وفي الوقت نفسه يدعو إلى التناجي بالخير والصلاح، فيما إذا أرادوا التناجي وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى والبر هو الحق والإحسان وسائر المضامين الخيرة المرضية عند الله والتي تقرِّب إليه، وهو نقيض الإثم، قال تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، كما أن التقوى نقيض العدوان، وذلك أن العدوان ينبعث من انعدام الورع عن محارم الله، والخوف منه، ولا بد أن يقاومه المؤمنون من الجذور في شخصيتهم، وذلك بتركيز تقوى الله في نفوسهم، كما أن العدوان صورة للتعدي على حدود الله في العلاقة مع المجتمع، والتقوى هي الداعي الأكبر للالتزام بإحكامه وشرائعه وحدوده.
وتأتي أهمية التناجي بين المؤمنين على الصعيد الاجتماعي من كونها وسيلة فضلى إلى النقد البناء، بالنصيحة، قال الإمام العسكري عليه السلام: [
مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَه»
[١]، وعلى الصعيد السياسي من كونها استراتيجية مهمة في مواجهة الظالمين والأنظمة الطاغوتية.
ثم يؤكد القرآن ضرورة ألَّا تخرج المناجاة بين المؤمنين عن سياق التقوى، الأمر الذي يتحقق بتحسس رقابته، وتذكر البعث والجزاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، إن الإحساس بشهادة الله وحضوره مع المتناجين هو الضمان الوحيد لنبذ وساوس الشيطان من جلسات المؤمنين الخاصة، ذلك أن أكثر الروادع التي تمنع السقوط في وادي الغيبة والتهمة والتعصب لجماعة ضد أخرى تتلاشى
[١] بحار الأنوار: ج ٧١، ص ١٦٦.