من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٦ - يسلط رسله على من يشاء
أخرج الأعداء، وأن المكاسب المادية في الفيء يتصرف فيها النبي كيف يشاء، الأمر الذي يبطل شبهات المنافقين حول تقسيم الفيء.
ثم يؤكد دور الإرادة في نصرة المسلمين وجلاء اليهود، وكيف أنها رغم الظروف والظنون المعاكسة غيَّرت المعادلة، فلم يكن المسلمون وهم يلاحظون قوة اليهود ويلاحظون قدراتهم المحدودة من جهة أخرى يظنون أن اليهود سوف يخرجون، ثم إن اليهود من جانبهم وهم المدججون بالسلاح، وأصحاب الخيرات، والمحصنون بالقلاع ما كان يخطر على بالهم أن قوة تستطيع الانتصار عليهم وإخراجهم مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، كما أن الغرور بلغ باليهود حدًّا تصوروا أنهم يمتنعون حتى من قدرة الله وإرادته، أما المنافقون واليهود أنفسهم والذين ينظرون إلى الحياة بمقاييس مادية ظاهرة، ولا يحسبون للغيب حسابا، فقد جزموا بانتصار جبهتهم وهزيمة حزب الله، بل راح المنافقون يكاتبون بني النضير، يشجعونهم على الصمود.
ولو أننا درسنا قضية الصراع الإسلامي الصهيوني القائم اليوم بكل أبعاده لوجدناه صورة أخرى لهذه الآية الكريمة، فبعض المسلمين اليوم يزعمون أن اليهود لا يخرجون من فلسطين، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى الاستسلام ورفع راية التطبيع. والصهاينة الذين تدعمهم القوى الاستكبارية يجدون أنفسهم محصنين ضد أي قوة، وأنهم أقوياء، ويدفعهم هذا الغرور ليس إلى الإصرار على البقاء في فلسطين، بل يثير فيهم الأطماع التوسعية أيضا.
ولكن قوة الله فوقهم وسوف يهزمهم بجنده وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: ٧]. وسيأتي اليوم الذي يتأكد للصهاينة الغاصبين ومن يدعمهم أن قوتهم لا تغني عنهم شيئا، فإن الله يعلم نقاط ضعفهم، ولديه من الأساليب والمكر ما لا قِبَل لهم به، فقد اغتر آباؤهم وأسلافهم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فاعتمدوا على العوامل الظاهرية، وخططوا على أساسها، بما هو في نظرهم خطة محكمة، لا يمكن تحديها، ولكن غاب عنهم الكثير من الحتميات والحقائق فلم يحسبوا لها حسابا، وما عسى يبلغ البشر من العلم حتى يحيط بكل شيء؟! فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، قال أغلب المفسرين: بأن قذف في قلوبهم الرعب، والذي يُظْهَرُ أن ما لم يحتسبوه كان شيئا آخر غير الرعب إذ لو كان الرعب لأتى التعبير (فقذف) والحال أنه قال بعدها وَقَذَفَ، ولعلهم اغفلوا في خططهم حتى بعض الجوانب الظاهرة مما يدل على أن القوى الظاهرة المستكبرة والطاغية لا تستطيع سد كل الثغرات في كيانها مما يسمح للمؤمنين دحرهم من خلالها، فمثلا حصون اليهود في أطراف المدينة المنورة كانت تقاوم بعض الحملات الطائشة التي تشنها الأعراب ضد المناطق الآهلة ولكنها لم تكن لتصمد أمام قوة رسالية يقودها قائد فَذٌّ.