من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٧
الدنيا وحب البقاء، ومن جانب آخر تُكَرِّه لهم لقاء الله والآخرة. وإذا استطاعوا أن يخدعوا الناس بأنهم أولياء لله ويخفوا حقيقتهم عنهم فإنهم لن يخدعوا الله أبداً.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وإذا كانت هذه الصفة تصدق في سائر اليهود المنحرفين عن التوراة فإنها أصدق في أحبارهم الذين كانوا متشبثين بالحياة؛ وأية حياة، وفي مقابل أي ثمن؟. حياة الذل والتبعية والمهانة، وبثمن فقدان دينهم وعزتهم، وربما راحتهم. وأعوذ بالله عندما يصبح العالم جبانا، فإنه لا يجعل نفسه فقط تابعا ذليلا للجبارين، بل وأيضا يجعل من أتباعه مجموعة ذليلة وخاضعة لكل حاكم ظالم، ويرسم خطًّا انهزاميًّا تبريريًّا في واقع المجتمع بما يبثه من أفكار سلبية وبما يحرفه من نصوص دينية.
وهذه السنة جرت في علماء اليهود والنصارى وفي بعض علماء المسلمين الذين مازالوا متسكعين على أبواب الملوك سرًّا وعلناً، يؤيدون جرائمهم، ويكيلون لهم سيل الفتاوى الكاذبة أنى شاؤوا، ويزورون إرادة الجماهير، ويحرفون نصوص الدين. إنهم بحق قُطَّاع طريق الله [١]، كما جاء في حديث قدسي، وإن خطرهم على الإسلام أشد من خطر ألف سيف وألف بندقية، هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤]. وليعلم هؤلاء أنهم مهما خدعوا الناس أو أنفسهم فإن الله عليم بهم، وسيقدمهم للحساب حسب علمه سبحانه لا حسب خداعهم أو التباسهم، وسيلقيهم في الجحيم وهم مهانون.
[٨] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وفي الخبر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الناس فقال
«أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ فِي فِرَارِهِ مَا مِنْهُ يَفِرُّ والأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ إِلَيْهِ والهَرَبَ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ»
[٢]، وقال الصادق عليه السلام
«تَعُدُّ السِّنِينَ ثُمَّ تَعُدُّ الشُّهُورَ ثُمَّ تَعُدُّ الأَيَّامَ ثُمَّ تَعُدُّ السَّاعَاتِ ثُمَّ تَعُدُّ النَّفَسَ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ» [٣].
وهكذا الإنسان وكل حي لعلى موعد مع الموت، وإنما العمر مطية تحث بنا الخطا نحو ميعادنا المصيري، وإن كل لحظة تمر بنا لهي تنتقص من أجلنا بقدرها، فعلينا ألَّا نحسب تقادم الأيام طولا في أعمارنا، فنقول مثلا: فلان طويل العمر عمره سبعون عاما أو ثمانون، وإنما
[١] من وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام
«يَا هِشَامُ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ عليه السلام قُلْ لِعِبَادِي لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّهُمْ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي وَمُنَاجَاتِي أُولَئِكَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ عِبَادِي»
بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣١٣.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٦٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦، ص ١٤٥.