من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٦ - لا تتولوا قوما غضب الله عليهم
الكتاب لم تجف بعد، فنزلت الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ من دار الكفر إلى دار الإسلام فَامْتَحِنُوهُنَ قال ابن عباس: امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا ولا خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه واله ما خرجت بغضا لزوجها ولا عشقا لرجل منا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك فأعطى رسول الله صلى الله عليه واله زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوجها عمر بن الخطاب، فكان رسول الله يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء إذا امتُحِنَّ ويُعطى أزواجهن مهورهن.
وقال الجبائي: لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء ولم يجر للنساء ذكر، وإن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله صلى الله عليه واله ردها عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء، فلم يردها عليهما. قال الجبائي: وإنما لم يجر هذا الشرط في النساء لأن المرأة إذا أسلمت لم تحل لزوجها الكافر فكيف تُرَدُّ عليه وقد وقعت الفرقة بينهما] [١].
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ بعد الامتحان فحينئذ لا يجوز ردهن لأنه لا مبرر لذلك، ولأن المجتمع المؤمن ليس حكرا على أحد دون أحد فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ.
والسؤال: لماذا ذكر الحرمة من الطرفين مع أن نفيها من جهة يفيد نفيها من الجهة الثانية؟.
والجواب: لعل الحلية هنا بمعناها الأول وهو الانسجام الذي يعتبر هدفاً وشرطاً أساسيًّا في الزواج، ومراد الآية الكريمة تأكيد انعدامه ليس من طرف واحد بحيث يمكن علاجه والصبر عليه، بل من الطرفين معا مما لا يمكن علاجه أبدا.
وحيث تَبِينُ المؤمنة من زوجها الكافر يتحمل المؤمنون إعطاءه ما أنفق عليها، لأن المهر ليس موضوعا للوطء الأول بل للعلاقة المستمرة الدائمة، وحيث خسرها بغير إرادته يجب أن يُعوَّض، ولعل التعويض منصرف للكافر غير المحارب، أو في حال الهدنة، وهذا من صميم العدالة في الإسلام. وفي إيتاء الكفار ما أنفقوا قيمة معنوية هي ألَّا تبقى لكافر يد على مؤمن أو مؤمنة.
وتعويض الزوج الكافر يتحمله بيت مال المسلمين، ولذلك جاء الخطاب موجها
[١] مجمع البيان: ج ٩، ص ٤٥٢.