من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
دعوته، فإن دعوته منصورة، وإن المكذبين في ضلال بعيد.
بينات من الآيات
[١] يعيش الإنسان في وجدانه خوفاً عميقاً من شيء مجهول، والقرآن يبين أنه الساعة، فالموت الذي يعقبه مصير مجهول بالنسبة إليه أمر رهيب جدًّا، والآيات تؤكد أن خوف الإنسان الحقيقي ليس من الموت، وإنما من البعث بعد الموت، وإنما يخشى الموت لأنه بوابة الحساب.
اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال ابن عباس: [اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَشُقَّ لَنَا القَمَرَ فِلْقَتَيْنِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ.
قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَتْ لَيْلَةُ بَدْرٍ فَسَأَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا قَالُوا فَانْشَقَّ القَمَرُ فِلْقَتَيْنِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه واله يُنَادِي: يَافُلَانُ يَافُلَانُ اشْهَدُوا] [١] وَرُوِيَ أَيْضاً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الحَرَاءَ بَيْنَ فِلْقَيِ القَمَرِ].
وانشقاقه الذي حدث في عصر رسول الله صلى الله عليه واله أو الذي يحدث فيما بعد، من الظواهر الكونية الدالة على قرب الساعة، ولكن القرآن يقدم الحديث عن الساعة على ظاهرة انشقاق القمر، لأنه محور الكلام والغاية منه.
وكم هي رهيبة ساعة القيامة، وكيف لا تكون كذلك وفيها تسير الجبال الشاهقة فتصير سرابا، وتنتشر الكواكب كخرزات العقد المنفرط، وتزلزل الأرض زلزالا عنيفا! إن زلزلة الساعة شيء عظيم! إنها مهولة جدًّا! وتترك أثراً جذريًّا لا نعرف نحن مداه، ولا يقتصر ذلك الأثر على تاريخ البشرية وحدها، كلا .. بل هو تغيير كوني حاسم، لأنه اليوم الذي ينتهي فيه دور الإنسان على وجه الأرض، وقد خلق الله ما في الأرض لأجله، إذن فذهابه منها يقتضي تغيرا حاسما فيها. وربنا لم يقل (قربت) بل قال اقْتَرَبَتْ وهذه الزيادة التي لحقت الفعل سببها دخوله في باب الافتعال الدال على بذل المزيد من القوة والجهد، كما يدل قولنا: اكتسب على استعمال القوة في الحصول على الرزق، فالساعة تمر بمخاض عسير، لأن حدوثها يقترن بتغييرات هائلة.
[٢] وانشقاق القمر ليس الآية الوحيدة التي تهدينا إلى الساعة والبعث، فهناك من الآيات الأخرى الكثير مما يكفي سلطانا مبينا، وحجة بالغة لنا على واقعية الساعة، ولكن المشكلة في الإنسان نفسه حينما يضل، ويتبع هواه. إنه يرى الآيات ويعقلها، ولكنه يعرض
[١] بحار الأنوار: ج ١٧، ص ٣٤٧.