من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ إن سنن الحياة الدنيا والآخرة ومقاييسهما حقائق قائمة وثابتة لا تتغير (مستقرة)، فلا يمكن تغييرها بهوى النفس أو بتمنيات البشر، وتشير هذه الآية إلى ما بينته الآيات الأخرى كقوله سبحانه
- لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨].
- وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
- وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: ٦٩].
- إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١].
كما أن قول الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
«الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا»
[١] مستوحاة من هذه الآية الكريمة، وهذا التفسير يجمع بين آراء المفسرين القائلة بأن الأمر المستقر هو العواقب، أي أن عاقبة الأمور مستقرة على قيم وسنن ثابتة، كما ترسو السفينة بالتالي عند الشاطئ، أو مَنْ قالوا: بأن عاقبة الخير الحسنى والشر السوأى، وقال بعضهم: إنها القيامة حيث تستقر عندها سفينة الدنيا، لأنها تبرز بوصفها أمراً واقعيًّا محسوساً، ويتميز الحق من الباطل.
بلى؛ إن كل أمر واقعي حق سوف يستقر مكانه، ويتكرس أكثر فأكثر رغم الظروف والعوامل المضادة، واستقراره أعظم دلالة من ملايين الكلمات، فلو اجتمع الإنس والجن على إنكار وجود الجبال، وجاؤوا بملايين الأدلة، هل يتغير الواقع؟ كلا .. ذلك أن المحور الحقيقي هو الواقعيات الخارجية الحقة، وليست الأهواء والتمنيات والظنون، ولعل معنى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ التي تأتي لاحقاً هو هذا الأمر، إذ إن الحكمة هي وضع الشيء موضعه، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف السنن الإلهية النافذة في الخلق، والنظام العادل الحاكم في كل شيء، وإنما كانت رسالات الله حكمة بالغة لأنها تهدي الإنسان إلى المستقرات من الحقائق الواقعية، ومن ثم إلى منهج الحياة الأقوم والقائم على أساسها.
[٤] وإذا كانت القيم والسنن هي المستقرة (لا الأهواء) فإن أعذار أولئك الكفار تذهب باطلا. أوليس قد توافرت الشواهد على صدق الرسالة، فَلِمَ كفروا بها؟ أوَليس قد تواترت الأنباء على أن من كفر بها هلك، وكفى بذلك زاجرا؟.
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ومن تلك الأنباء آية انشقاق القمر، والمزدجر هو التخويف والترهيب، وربنا لم يكتف بإرسال الآيات، وبيان القوانين للإنسان،
[١] بحار الأنوار: ج ٧٤، ص ١٦٦.