من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٦ - ليقوم الناس بالقسط
خلال الميزان (الفطرة، والعقل، والكتاب، والقيادة الرسالية).
والحركة الرسالية هي التي تسعى إلى ذلك بالكلمة الصادقة أو بالقوة الضاربة وكل ذلك بالعدل. التي يجب على الناس تبنِّيها، وإعانتها، والانتماء إلى صفوفها، لأنها تجاهد للحق ومن أجل سعادتهم، ولأنها المحك في نصرتهم لله ولمسيرة الأنبياء والمرسلين.
والآية تشير إلى هذه السمات إذ تقول لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا دليلا إلى الله، وتعريفا للناس به تعالى، فهم يتحملون مسؤولية محددة هي تبليغ رسالة الخالق إلى المخلوقين، وهدايتهم إلى معرفته، والإيمان به، والعمل برسالته، قال النبي صلى الله عليه واله
«وَ بَعَثَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِتَكُونَ لَهُ الحُجَّةُ البَالِغَةُ عَلَى خَلْقِهِ وَ يَكُونَ رُسُلُهُ إِلَيْهِمْ شُهَدَاءَ عَلَيْهِمْ، وَابْتَعَثَ فِيهِمُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَلِيَعْقِلَ العِبَادُ عَنْ رَبِّهِمْ مَا جَهِلُوهُ فَيَعْرِفُوهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ مَا أَنْكَرُوا، وَ يُوَحِّدُوهُ بِالإِلَهِيَّةِ بَعْدَ مَا عَنَدُوا»
[١]، وقال الإمام علي عليه السلام
«بَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلَّا تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ»
[٢]، فهم الواسطة بين الخالق والمخلوق، وحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، ولكن كيف نعرف صدقهم وصدق دعوتهم من بين القادة المنحرفين والدعوات الضالة؟.
القران يجيب عن هذا السؤال إذ يقول بِالْبَيِّنَاتِ لهذه الكلمة معنيان يبدو أن كليهما تشملهما الكلمة هنا
١- تفاصيل الهدى، المتمثلة في الثقافة التوحيدية، والبصائر والقيم والمناهج المنبثقة منها. واشتمال رسالات الله على هذه التفاصيل دليل على أنها وحي من عند الله، إذ قد يهتدي بشر أوتي صفاء النفس إلى بعض معاني الغيب، ولكن أنى للإنسان أن يأتي بهذه المنظومة المتكاملة من البصائر الغيبية، إنْ ذلك إلا دليل اتصاله المباشر بالوحي.
٢- الحجج والآيات التي تهيمن على النفس والعقل، كالمعاجز، والخلوص من الهوى والمصلحة والتمحض للحق، وهذا يهدينا إلى أن الرسالات الإلهية قائمة قبل كل شيء على الإقناع، لأنه الذي ينمي الإيمان في النفس، ويحركه بفاعلية أكبر، وأبقى من أي عامل آخر، وربنا يقول سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [فصلت: ٥٣]، ذلك أن الإيمان الناتج من الاستجابة للبينات والآيات هو الذي يُخشِعْ القلب والجوارح لذكر الله ويُطوِّعهما للرسول ولما نزل من الحق وللميزان، وبالتالي يدفع المؤمن للقيام بالقسط، وحينما
[١] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٢٨٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٣١٥.