من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٧ - ليقوم الناس بالقسط
يتخلف أحد من المؤمنين عن الاستجابة للرسول وللوحي فإن ذلك يدل على تزلزل في قناعاته.
وحيث لا يؤتي الإيمان ثماره إلا إذا تحول إلى نظام تربوي، اجتماعي، اقتصادي، سياسي، ثقافي شامل لجوانب الحياة، يكفل للبشرية السعادة، أنزل الله شريعة متكاملة إلى جانب البينات متمثلة بالكتاب وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ فإذا كانت البينات تُؤَمِّن القناعات الأولية فإن الكتاب يؤمن النظام العملي الشامل المنطلق من الإيمان، والذي يستهدف تكريسه بعمق في النفوس والواقع، والقيام بالقسط- هذا الهدف العظيم- إنما يستمد شرعيته وشرعته منه. ومع دلالة الإنزال على المعنى الظاهر من الكلمة فإنه يدل على الفرض، وكل ما نزل من الخالق إلى المخلوق فهو لازم ومفروض عليه القيام به. ومن البديهي أن معرفتنا بالبينات وأن الكتاب من الله تلزمنا العمل به وتنفيذه.
وَالْمِيزَانَ الوسيلة التي نعرف بها مضامين الكتاب الخارجية.
و السؤال: ما هو الميزان؟ هل هو العقل؟ أم الإمام العادل؟ أم هذه المقاييس التي يزن الناس أشياءهم بها؟.
يبدو أن الميزان أساسا هو المقياس الذي نعرف به تطبيق الحكم على الواقع الخارجي، وهو لا يتم إلا بالعقل والإمام والمقياس السليم. كيف ذلك؟.
أولًا: ما جاء القرآن ليلغي دور العقل، إنما ليثير دفائنه بالاجتهاد في فهم حقائقه وأحكامه وطريقة تطبيقه، وليقوم بدوره الحساس والخطير في حياة البشرية.
ثانياً: ما جاء القرآن بديلا عن الإمام (السلطة العادلة) حيث يجب التسليم للقيادة الشرعية في حدود قيم الكتاب، فدور الإمام يكمل دور الرسالة، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله
«إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَر: كِتَابُ الله حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ»
[١]، وقد أجمعت فرق المسلمين قاطبة على هذه الرواية، مع حكم العقل بضرورتها، أما قول الخوارج: [حسبنا كتاب الله] فإنه باطل بشهادة الكتاب، وشهادة العقل، بل وشهادة التاريخ البشري حيث لم نعهد جماعة بلا سلطة تحكمهم، وحتى الخوارج أنفسهم ما عاشوا دون سلطة طول تاريخهم. وميزان الإنسان في الدنيا هو ميزانه في الآخرة حيث يقول ربنا سبحانه يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء: ٧١]. عن الإمام الرضا عليه السلام
«وَالمِيْزَانُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عليه السلام
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ١٠٦.