من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
وإذا كان كذلك كَفّرَ وعاد إلى أهله [١].
أما الاحتمال الثاني الذي اختاره الفخر الرازي فقد مَهَّد له أولا بما حكاه عن الفَرَّاء أنه قال: لا فرق في اللغة بين أن يقال: يعودون لما قالوا، وإلى ما قالوا وفيما قالوا، قال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان كقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣]، وقال فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣]، وقال تعالى وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ [هود: ٣٦]، وقال بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة: ٥].
ثم قال: قال أهل اللغة: يجوز أن يقال: عاد لما فعل، أي فعله مرة أخرى، ويجوز أن يقال عاد لما فعل، أي نقض ما فعل. وهذا الكلام معقول، لأن من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه [٢].
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ولعل الذكر أعرض عن ذكر خيار الطلاق تأكيدا على ترجيح العودة، مما يدخل في سياق الحفاظ على الأسرة، ولا تجوز العودة إلى المعاشرة الجنسية إلا بعد التكفير، وهذا الشرط يذيق الإنسان جزاء اللجوء إلى عادة الظهار.
ومن حكمة الله ودقة تشريعه أنه فرض كفارة في علاج مشكلة الظهار، هي بحد ذاتها علاج لمشكلة أخرى هي الرقيق أو المسكنة، إذ أوجب حكماً أوليَّا مقدماً على غيره أن يكفر المظاهر عن نفسه بتحرير رقبة مملوكة قبل أن يجامع زوجته، وهذا الأمر يوجه الشهوة الجنسية بوصفها دافعاً قويًّا للإنسان نحو فعل الخيرات. ويلاحظ في الإسلام اهتمامه بعلاج مشكلة الرق في كثير من المواضع والأحكام بصورة الفرض تارة وباعتبار ذلك الخيار الأقوم تارة أخرى.
ولعل قائلا يقول: ولماذا يفرض هذه العقوبة الثقيلة جزاءً لموقف يتلخص في كلمات قليلة (هي صيغة الظهار)؟ ولكن لنعلم أن العلاقة الزوجية ليست أمراً هيِّناً، إنما هي مهمة ويجب أن يحيطها الإسلام بسور لا تخرقه الأهواء والنزوات العاجلة، فهي مرتكز المجتمع، ومدرسة الأجيال الناشئة، كما وإن التجربة الحضارية للأمة تتركز فيها، فلا يجوز إذن الاعتداء على حرمتها وهدمها من أجل الشهوات والانفعالات العابرة.
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ إنه رادع عملي للوقوف ضد تهديد كيان الأسرة، والتوسل بالعادات والقيم الجاهلية، أما الرادع الأهم والذي ينميه الدين في نفوس أتباعه، ويعتمده في
[١] تفسير القرطبي: ج ١٧ ص ٢٨١.
[٢] تفسير الرازي: ج ٢٩ ص ٢٥٦.