من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - إنا كل شيء خلقناه بقدر
العذاب، والاغترار بالنفس، باطل، وإنما تدل على مدى ضلال أصحابها وعذابهم.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ وقد سماهم الله بالمجرمين لأن تلك المزاعم لاشك سوف تقودهم إلى التوغل في الجريمة، والسُّعُر قد يكون الجنون أو النار، وهما من ألوان العذاب التي يؤدي إليها الضلال في الدنيا والآخرة.
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ وهنا إشارة إلى نوعين من العذاب: أحدهما المادي حيث يسحبون نكاية بهم، والسحب وحده يعتبر عذابا للإنسان، فكيف إذا كان على الوجوه أكرم مناطق الجسم، وأكثرها حساسية، وفي أعظم أودية جهنم عذابا وهو سقر؟! الذي قال الإمام الصادق عليه السلام عنه
-
«إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِياً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يُقَالُ لَهُ سَقَرُ شَكَا إِلَى الله عَزَّ وجَلَّ شِدَّةَ حَرِّهِ وسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فَتَنَفَّسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ» [١].
-
«إِنَّ فِي سَقَرَ لَجُبّاً يُقَالُ لَهُ هَبْهَبُ كُلَّمَا كُشِفَ غِطَاءُ ذَلِكَ الجُبِّ ضَجَّ أَهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ، ذَلِكَ مَنَازِلُ الجَبَّارِينَ» [٢].
والآخر العذاب المعنوي الذي يفوق في بعض حالاته عذاب الجسم، فهناك تتلقاهم زبانية جهنم قائلة ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩- ٥٠].
ولعلنا نفهم من المس أن النار لا تحرق كل أبدانهم، بل تحرق جلودهم التي فيها تتركز أعصاب الإحساس عند الإنسان، مما يجعل العذاب أكثر ألما، وهذا ما تؤكده الآية الكريمة كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
[٤٩] وهذا العذاب لا شك ليس اعتباطيًّا وبلا حكمة، كلا .. فهو كسائر مفردات الوجود مقنن مقدر من قبل الله، فلو أننا كُشف لنا الغطاء لرأينا أن العمل السيئ الذي نقوم به هو نفسه الجزاء الذي نلقاه.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ عن يونس بن عبدالرحمن قال؛ قال لي أبوالحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام
«يَا يُونُسُ لَا تَقُلْ بِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ فَإِنَّ القَدَرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَلَا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ، وَلَا بِقَوْلِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ قَالُوا
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا
[١] الكافي: ج ٢ ص ٣١٠.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٣٨١.