من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٩ - يسلط رسله على من يشاء
الله وشعبه المختار، يرون أنفسهم فوق الحق والدين، وأن لهم الرأي والتصرف المطلق في كل أمر. وهذه صفة كل من تتضخم ذاته عنده، أوليس اليهود يزعمون أنهم النخبة، وأن كل الناس خلقوا لخدمتهم؟! ثم أليسوا هم الذين قالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؟! بلى، ولكن هل يستطيعون مواجهة سنن الله وإرادته؟ كلا .. وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ولم يقل العذاب، لأن كلمة العقاب تنطوي على معنى العذاب والجزاء معا، وهي أصلح لهذا الموضع، وفي الآية تحذير لكل من يعادي الحق ورموزه، بغض النظر عن صفته وانتمائه ومذهبه، وهذه العبارة كانت في يومها ولا تزال تحذيرا لكل من تُسوِّل له نفسه محاربة الحق، وقد قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثم قال وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ دون ذكر الرسول، وذلك ليهدينا إلى أن الموقف السلبي من القيادة الرسالية يعتبره الرب موقفا ضده، وبالتالي فإننا نعرف أعداء الله من خلال مواقفهم من القيادة الرسالية.
[٥- ٦] ويقدم الله هذه الحقيقة: إن الجلاء كان نتيجة مشاقة اليهود لله ولرسوله، والتأكيد على أن العقاب الشديد سوف ينال كل مشاقٍّ له سبحانه، يقدمها مدخلًا لعلاج شبهتين أثارهما اليهود والمنافقون حول النبي صلى الله عليه واله ومكانته القيادية، وهما: قطع النخل، وتقسيم الفيء، ذلك لكي يُحصِّن المؤمنين ضد الإعلام المضلل، وليعلموا أن المشاقة لا تتحدد باليهود، ولا تنحصر في حمل السيف، بل إن الشك في قيادة النبي والتخلف عن طاعته هو الآخر مشاقة يستحق صاحبها العقاب الشديد كما استحق ذلك اليهود.
فقد سعت اليهود بعد أن أمر النبي بقطع النخيل لاستغلال الحدث من أجل تشكيك المؤمنين في قيادته صلى الله عليه واله فقالوا: ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون [١]، وتلقفت ألسن المرجفين المنافقين هذه الشبهة تشيعها في صفوف المؤمنين، فَسَفَّه الوحي هذه الشبهة ورد شائعات المنافقين بالتأكيد على أن القرار في هذه القضية لم يكن من عند النبي ولا بهواه إنما هو أمر الله سبحانه.
مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ واللينة هي كل نخلة لينة لما تمت وتيبس، وقيل: هو اسم لنوع من أجود التمر في المدينة ونخلتها تسمى اللينة. فالرسول إذن يعمل بأمر الله وحكمه، وإذا ما طبق المؤمنون أوامره وأطاعوه فإنما ينفذون إرادة الله، ويُجرون أحكامه وشرائعه، فلا داعي أن يُصْغُوا لتلك الشبهات والشائعات لأنها تجعل الإنسان مُشاقًّا له ولرسوله، وما دام أمر القيادة الرسالية هو أمر الله فالمسلمون ملزمون بالتسليم له، ثم إن هذا القرار لا يدور في الفراغ والعبث، إنما يرتكز على خلفيات وأهداف
[١] الدر المنثور: ج ٦ ص ١٨٧.