من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٢ - ويؤثرون على أنفسهم
وانصهارا في بوتقة التوحيد.
ثانياً: التجرد عن الحسد للاحقين .. مهما أوتوا من شيء مادي أو معنوي، فصدورهم صافية طاهرة، لا تنطوي على غل ولا حساسية تجاه إخوانهم، كما أنها واسعة لا تضيق بتقدمهم أو تقديمهم، لما هي معمورة به من الإيمان والوعي، والواحد منهم متجرد عن ذاته للقيم، وللأمة كلها، فلا يرى أن الانتصار أو الدولة أو المغانم أو المناصب حكرا له أو لفريق دون آخر، إنما هي للجميع، كما يرى أن تقدم أي فرد أو جهة هو تقدم له أيضا.
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والرأي للقيادة الرسالية تقرر ما تراه مناسبا، والحق لصاحب الكفاءة، وليست لأحد الوصاية في فضل الله وما له وما للأمة، فلماذا الحسد والتقاتل على المكاسب والمراتب؟! إن المؤمنين يسعون بكل ما أوتوا لدعم إخوانهم، ورفد مسيرتهم لكي يتقدموا ويعلو شانهم ويعلو من خلالهم شان الدين والأمة، وما يؤسف له اليوم أن نرى في الأمة فريقا من مرضى القلوب الذين يجهدون بكل ما أوتوا من حول وطول ومكر من أجل تحطيم كل قيادة ناشئة تبرز في الساحة، وترى في صدورهم ألف ألف حاجة مما أوتي أولئك من الفضل والسمعة.
وقد وقف الإسلام موقفا صارما من الحسد حتى عَدَلَهُ بالشرك والكفر والنفاق. قال الإمام الصادق عليه السلام
«يَقُولُ إِبْلِيسُ لِجُنُودِهِ: أَلْقُوا بَيْنَهُمُ الحَسَدَ والبَغْيَ
(يعني المؤمنين)
فَإِنَّهُمَا يَعْدِلَانِ عِنْدَ الله الشِّرْكَ»
[١]، وقال عليه السلام محذرا
«إِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَإِنَّ الكُفْرَ أَصْلُهُ الحَسَدُ»
[٢] وقال
«إِنَّ المُؤْمِنَ يَغْبِطُ ولَا يَحْسُدُ، والمُنَافِقُ يَحْسُدُ ولَا يَغْبِطُ»
[٣]، وقال الإمام الباقر عليه السلام
«إِنَّ الحَسَدَ لَيَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ»
[٤]، وقال الرسول صلى الله عليه واله (يعني الحسد)
«لَيْسَ بِحَالِقِ الشَّعْرِ لَكِنَّهُ حَالِقُ الدِّينِ»
[٥]، قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عليه السلام
«يَا بْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، ولَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ ولَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ فَإِنَّ الحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي»
[٦]، وقوله تعالى وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ يؤكد لنا أن الحُسَّاد هم أصحاب الصدور الضيقة، والقلوب المريضة.
وأهم الحاجات التي يضمرها الحاسدون في صدورهم هو تحطيم إخوانهم، ولا ريب أنها
[١] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٢٧٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٢١٧.
[٣] بحار الأنور: ج ٧٠، ص ٢٥٠.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ٣٠٦.
[٥] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٣٦٨.
[٦] الكافي: ج ٢، ص ٣٠٧.