من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - الإطار العام والسابقون السابقون أولئك المقربون
الإطار العام: والسابقون السابقون أولئك المقربون
إن فلاح الإنسان في الحياة ينطلق من وعيه بحقائقها ومعيشتها، وأخذها بعين الاعتبار عمليَّا بأخلاقه وسعيه، ومع أنه مطالب بوعي مُختَلِف الحقائق، إلا أن الأمر يكون أشد ضرورة وأهمية بالنسبة للحقائق الكبرى ذات الأثر الحاسم في حياته ومصيره.
و (الواقعة) هذه السورة المكيّة التي نستقبل آياتها تذكرنا بواحدة من أعظم الحقائق وأخطرها بالنسبة للإنسان وهي الساعة التي إذا وقعت تطبع آثارها على كل ذرة في الدنيا، فالأرض والجبال تستحيل هباءً منبثاً، وتنطوي صفحة هذه الحياة التي خلقت لابن آدم، لتفتح صفحات الحياة الآخرة في فصول أولها هلاك هذا الوجود بما فيه من البشر، وآخرها الجزاء الذي يمتازون فيه، وبينهما البعث والحساب.
فبقدر حضور الواقعة في وعي الإنسان ومعايشتها عمليًّا تكون منزلته هناك، فإما مع السابقين من الأبرار في أعلى عليين، وأما مع أصحاب الشؤم والفجور في أسفل سافلين، وإما بينهما حيث أصحاب الميمنة، ولكن من أين له الوعي بالواقعة وهي جزء من الغيب الذي حُجب عنه؟!.
بلى؛ إنها غيب كما الملائكة والجن والمستقبل، ولكنْ تعالى الله أن يلزمنا الإيمان بحقيقة حاضرة أو غائبة إلا والآيات الهادية إليها قائمة وكافية أن تكون حجة بالغة لمن ألقى السمع وأعمل النظر والفكر وهو شهيد. فما هي آيات الواقعة؟.
أولًا: وقبل كل شيء ليس هنالك دليل ولا آية تكذب هذه الحقيقة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، وهذه من طبيعة الحق أنه لا دليل منطقي على خلافه، والذي يكذِّب به هو الذي يحتاج إلى تبرير موقفه.
ثانياً: إن الإنسان يبرر غالباً ريبه في هذه الواقعة بالشك في إمكانيتها، لأنه ينظر إلى هذه الحقيقة العظمى من خلال قدراته المحدودة فيكفر بها. أما إذا تفكر فيها من خلال قدرة الله التي