من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٦ - الرحمن علم القرآن
كان سبحانه وتعالى فرداً صمداً ولا شيء معه، وشاءت حكمته أن يخلق الخلق فخلق الخلق، لا لحاجة منه إليهم، بل لحاجة منهم إليه، ولا ليربح عليهم، بل ليربحوا عليه.
وهكذا فإن السمة البارزة في الخليقة هي رحمة الله، وإن طبيعة الخلق الأولى للإنسان قبل أن تُدنَّس من المخلوقين أنفسهم لهي طبيعة إيجابية حميدة، وإن فطرته ليست نابية ولا معادية. إنه يتفكر في نفسه فيراها غارقة في محيط من النعم والآلاء، خلقه رحمة، وتعليمه وبيانه نعمة أيضا، ثم يجول بفكره في العالم من حوله فيرى الشمس والقمر، والنجوم والشجر، والسماء، والميزان، وهكذا الأرض وما تحتويه كلها نعم، وكلها خلقت ولا زالت تؤدي دورها ضمن نظام محكم في صالحه .. لذلك تجد سلوكه تجاه الخلق سلوكا وديعا نابعا من حبه له، فهو يأبى أن يسلب نملة جلب شعيرة، وإذا مشى على الأرض وطأها برفق وهون.
بينات من الآيات
[١] الرَّحْمَنُ هكذا تأتي هذه الكلمة وحدها آية قرآنية، ولعلها أقصر آية بعد الحروف المقطعة، ولكنها من حيث المعنى تشكل محوراً في السورة بتمامها، يتصل بآية آية فيها، ويعكس ظله على كلماتها، وحينما تنطلق من هذه السورة المباركة إلى العالم الواسع تجد هذا الاسم الإلهي منبسطاً على كل مفردة فيه، لأنه تعالى كتب الحياة بلغة الرحمة واللطف، ولك أن تتصور كم ينبغي أن يكون الإنسان ضالًا ومجرداً عن أي إحساس حتى يكون جاهلًا بربه وبرحمته، بل جاحداً بآلائه، حتى يتساءل بصلافة وَمَا الرَّحْمَنُ؟! [الفرقان: ٦٠]. إنه لا شك أقل قدراً ووعياً من البهيمة، لأنها تعي رحمة ربها، وتؤمن به بقدر شعورها، والإنسان أعطاه الله العقل ولكنه لا ينتفع به! وصدق عز وجل حين قال عنهم أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤].
واسم الرحمن بحسب ما ورد في الذكر الحكيم ارتبط بمظاهر الهيمنة الإلهية وإحاطة التدبير بالخليقة. ويبدو أنه لم يقترن بموارد العفو والمغفرة وهكذا. بل يمكن ملاحظته في موارد العذاب والوعيد وتنزيل الوحي والتهديد والاستواء على العرش والإذن الإلهي. وفي موارد الاستعانة والاستعاذة والخشية .. مما يلفتنا إلى أمرين
الأول: اختلافه عن اسم الرحيم ليس في الناحية اللغوية فحسب، بل من حيث الاقتران في الذكر الحكيم. فالرحيم ورد في موارد العفو والرحمة المعهودة. بخلاف الرحمن.
الثاني: إن اقتران الرحمن بمظاهر الهيمنة الإلهية يدل على أن صبغة التدبير والهيمنة هي صبغة الرحمة. فحتى مظاهر العذاب والابتلاء، بل وتشريع العقوبات كل أولئك في إطار