من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - الرحمن علم القرآن
شيئا، فأوجده الله من غير استحقاق منه، ومن دون أي جبر أو اضطرار، إلا رحمة منه عز وجل خَلَقَ الإِنسَانَ وكفى بخلق الإنسان دليلا على رحمته. ألا تراه عالما كبيرا بذاته، تماوجت في كيانه بلايين النعم التي لو فُقدت واحدة منها انتقصت الرحمة؟.
بيد أن أعظم ما في الإنسان قلبه (مخه وعقله)، ذلك أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وفضَّله على كثير من خلقه، ثم أكمل خلقه بالعقل، وأكمل العقل بالقرآن، وأكمل كل ذلك بنعمة البيان، الذي يقوم بدور تواصل المعلومات وتناقل الخبرات من إنسان لآخر، ومن أمة لأخرى، ومن جيل إلى جيل، ولولا هذه الميزة لما كانت حضارة، وكان البشر وسائر الأحياء سواءً، فحياة الهرة قبل مليون سنة هي حياتها الآن، لأن كل فرد من هذا الجنس يعيش في حدود غرائزه أو تجاربه الذاتية، في حين تنمو حضارة البشر بتواصل التجارب والمعلومات وتراكمها، وهذا كله مرتكز على البيان، وما كان قادرا عليه لولا فضل الله ورحمته إذ تلطف عليه به عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وهذه النعمة هي الأخرى مظهر لاسم الرحمن، وآية هادية إليه، وما يجب على الإنسان هو الاعتراف بهذه الآلاء، وأداء شكرها، ولكنك تراه بدل ذلك يمارس الخطيئة بتلك النعم، فإذا به يُسخِّر البيان من أجل الباطل.
[٥- ٦] ومن الحديث عن آثار رحمة الله في كيان الإنسان تنقلنا الآيات إلى آفاق العالم لعلنا نرى فيها تجليات اسم الرحمن، هكذا يوصل القرآن الحديث عن الإنسان والكون لكي يخرجنا من قوقعة الذات إلى الآفاق الواسعة، لكي يؤكد لنا أن الكائنات جميعا خاضعة لله، حيث يؤدي كل شيء دوره وهدفه من الخلق بالتزامه بالنظام الذي رسمه الله له. انظر إلى الشمس تجدها تتحرك بدقة متناهية جدًّا، وبتناسق رائع مع حركة القمر، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠]. إذن فأي خروج من قبل الإنسان عن حدود الله هو شذوذ وشقاق وضلال وتيه.
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ لقد خلق الله الخلق متناسقا يكمل بعضه بعضا، فلولا الإنسان ما خلق الله الشمس والقمر والنجوم، والشجر، والسماء والأرض وما فيهما، ولولا هذه الأشياء ما كان للإنسان أن يجد سبيلا للحياة .. والشمس والقمر لهما آثار مباشرة في حياة الإنسان، بل في الحياة على كوكبنا كله، فالشمس توفر لنا الضوء، ولها صلة ماسة بالنباتات على الأرض، وهكذا يؤثر القمر في بحار الأرض ومحيطاتها، وفوائد أخرى لها لا يزال العلم الحديث يحث الخطا لاكتشافها، ولكن تبقى أعظم فائدة لهما ولكل شيء أنهما آيتان تهدياننا إلى الله، ونلمس هذا الهدى بصورة أجلى وأفضل بالاطلاع على دقة النظام الذي يتحكم فيهما.
فلو أن الشمس اقتربت إلى الأرض أو ابتعدت عنها أكثر، أو تبدل نظامها في الغروب