من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
خافية، فإذا به يأتي مُسْودًّا وجهه كقطعة من ليل دامس الظلام، وفي المقابل ترى المؤمنين والمؤمنات مبيضة وجوههم يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢]، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: ١٠٦]، هذه عاقبة الكفر. وقد ثبت علميًّا أن الجريمة تترك أثرها على فاعلها، كالارتباك، والتلعثم في الكلام أثناء الاستجواب مما يعكس حالة نفسية معينة تخلقها الجريمة عنده، ولعل العلم إذا تطور وتقدم يلحظ آثارا مادية على شخصية الإنسان كألوان لا تلحظ بالعين المجردة تعلو الوجه ..
إن ذلك حقيقة واقعية في الدنيا والآخرة، ولكن الفرق بينهما أننا في الدنيا محجوبون عن رؤية تلك الآثار بوضوح كاف، أما في الآخرة فيُكشف عنا الغطاء فإذا ببصرنا حديد، وحتى في الدنيا لو تطور علمنا باتجاه اليقين لتكشف لنا الكثير من الحقائق المغيبة.
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ويُجرون إلى النار حيث يعذبهم ملائكة شداد غلاظ. والناصية هي مقدمة الرأس. وهذا العذاب جزاء تكذيبهم بالحقائق الربانية والآيات الدالة عليها ومن بينها النار، فلم يحتسبوا أنهم مواقعوها فيستعدون، ويعملون للخلاص من حرها، فوقعوا فيها، وربنا يحذرنا من التكذيب بها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
[٤٣- ٤٥] والآيات السابقة تشير إلى إمكانية تعاون الجن والإنس في المعصية والتكذيب، وهذا أمر واقعي؛ لأن أبالسة الجن من المكذبين بالله هم الذين يوسوسون في صدور الناس، ويثيرون في البشر عوامل المعصية والانحراف، لذلك أمرنا الله بالاستعاذة مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٤- ٥]، بل قد يصل التعاضد بينهما على التكذيب إلى الحد المادي، قال تعالى حاكيا عن الجن وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً [الجن: ٥- ٧]، والشعوذة والسحر القائمان على التكذيب بالله وبآياته هما من صور التعاون بين الاثنين.
ولكن مهما كذب الفريقان بالحقائق الواقعية كالنار وتعاونا على ذلك، فإنها لن تتبدل ولن تنتفي أبدا، فالنار موجودة وإن كذَّبا بها، كما أن تكذيب بعض السوفسطائيين بواقعية الخلق لا يحيله خيالا، بل إن التكذيب بالنار يجعلها أقرب وأشد على المكذبين بها، ويوم القيامة يؤتى بالمجرمين مأخوذين من نواصيهم وأقدامهم إلى جهنم، ويقال لهم هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ فيرونها عين اليقين، ويصدقون بها بعد طول تكذيب، ولكن ماذا ينفعهم الاعتراف حينئذ، بلى؛ إذا عرف الإنسان بالخطر قبل وقوعه فيه، وكانت ثمة فرصة يستغلها