من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
للنجاة ينفعه علمه. بيد أن هؤلاء كذبوا فعلا بآيات الله الدالة إلى هذا الحق، فصاروا من حطب جهنم ووقودها، فتراهم ينتقلون بين النار والحميم يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي بالغ الحدة: حرارة وغليانا، ومنه آنت الثمرة: إذا نضجت وأينعت، والمجرمون في طواف دائم، تسوقهم الملائكة بين جهنم النيران (أشدها حرارة) وبين السوائل المغلية إلى درجات عالية من الحرارة، وإن المجرم يحترق بالنار، ويفقد سوائل جسمه، فيسعى لشرب الماء فيجده حميما، وهذا هو حال النعمة حينما يفرِّط فيها الإنسان، فيكذب بها، وينسبها إلى غيره شركا، أو يستخدمها في المعصية ولا يؤدي حق شكرها، وحري بنا أن نصدق بآلاء الرحمن، ونؤدي واجبنا تجاهها. إنها رحمة من الله فإما أن نُصيِّرها نقمة أو نجعلها رحمة أكبر وأوسع، تنمو في الدنيا ونتلقاها أضعافا مضاعفة في الآخرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[٤٦- ٤٧] وينتهي السياق يحدثنا عن جزاء أولئك الذين عرفوا ربهم حق معرفته، عرفوه بأنه الرحمن فصدقوا بآلائه، ورغبوا في رحمته قلبا، وسعوا إليها عملا ففتحت لهم أبوابها في جنة عرضها كعرض السماوات والأرض.
وهكذا يطبع السياق صفة ثنائية على آيات هذه السورة (الشمس والقمر والنجم والشجر، والسماء والميزان، والفاكهة والنخل، والحب والريحان، والإنس والجان، والصلصال والنار والبحرين، واللؤلؤ والمرجان) إلى أن يحدثنا عن صنفين من الناس في سلوكهم وجزاء الله لهم، وهم المجرمون الذين انتزعوا من قلوبهم خشية الخالق، فصاروا لا يتناهون عن منكر، ويحدثنا في مقابلهم عن الخائفين، الذين براهم خوف الله بري القداح.
وهذا منهج سائد في كتاب ربنا حيث يذكرنا بالفارق بين المتقين والفجار عبر بيان الفوارق بين الأشياء المختلفة لنزداد وعيا بهذه المفارقة، وتصديقا بآثارها في الآخرة.
وللثنائية التي صبغت بها آي سورة الرحمن فائدة أخرى تلك هي العلم بالفوارق الممتدة بين الأشياء، فعندما يكون المرء جاهلا يرى الأشياء المختلفة بلون واحد، ولكنه كلما تقرَّب إلى العلم بدت له الفوارق أكثر وضوحا وعددا، فالغازات كلها عند الإنسان تنضوي تحت اسم عريض هو الهواء، وإذا به الآن وقد تقدم به العلم تزيد على مئات الأنواع، كما أن هذه الثنائية تدلنا على الحاجة أيضا، حيث يحتاج كل اثنين إلى من يدبر أمرهما. إذن فهذه الثنائية بين المخلوقين تهدينا إلى الثنائية المطلقة بين المخلوق والخالق.
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ هؤلاء لا يعبدون الله خوفا من النار فقط ولا طمعا في الجنة فحسب- وإن كان ذلك بعض تطلعاتهم- ولكن دافعهم الأساس للعبادة هي المعرفة