من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٢ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ [١] نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [٢] (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢).
هدى من الآيات
إذا كانت هداية البشر هدف رسالات الله فإن الوسيلة المثلى التي تتبعها هي تذكرته وإنذاره، لكي تتساقط حجب الغفلة والكبر عن قلبه. إن في ضمير الإنسان خوفا دفينا من مستقبل مجهول، ويستثير القرآن هذا الخوف بتذكرته بالساعة، وما الساعة؟ إنها أدهى وأمرُّ.
وهذا النهج نجده أكثر تجليا في السورة المكية ذات المقاطع القصيرة، وبالذات سورة القمر التي تتجلى فيها هذه الوسيلة بأظهر مصاديقها، وقد سُمِّيت بذلك بسبب إشارتها إلى آية انشقاق القمر، الظاهرة التي حدثت في عصر الرسول صلى الله عليه واله بمكة المكرمة، حسب ما يقول أغلب المفسرين.
ويصل القرآن بين هذه الظاهرة المعجزة واقتراب يوم القيامة لأنه قريب من بعثته صلى الله عليه واله، وهو القائل
«بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتَين،
وأشار بالسبابة والوسطى التي تلي الإبهام] [٣] دلالة على قربهما الزمني، أي لا يلبث العالم بعده أن يشهد الساعة، وقال علي بن إبراهيم رضي الله عنه
«قَرُبَتِ القِيَامَةُ فَلَا يَكُونُ بَعْدَ رَسُولِ الله
صلى الله عليه واله
إِلَّا القِيَامَةُ وَقَدِ انْقَضَتِ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ» [٤].
وسواء كانت الساعة بعد آلاف أو ملايين السنين من بعثته صلى الله عليه واله فإنها قريبة إذ كل آت قريب، ولأن البعد والقرب لا يقاسان بحياة الإنسان المحدودة في الدنيا، بل يقاسان بما في الكون من أرقام وأبعاد زمانية كبيرة، فقد يكون عمر الشمس عشرة ملايين سنة ولكنها انقضى أكثرها، وأصبحت نهايتها قريبة جدَّا، ثم ما هي نسبة هذه المدة إلى الزمن اللامتناهي الذي يلي الحياة الدنيا؟!.
إن الكفار كذبوا هذه الآية المعجزة مع وضوحها، وأعرضوا عن دلالاتها، ولكنهم لم يكونوا أول ولا آخر المكذبين، فقد سبقهم إلى هذا الضلال قوم نوح وعاد، وكانت عاقبة أولئك الخزي والعذاب، فلا ينبغي للرسالي أن يصاب بهزيمة نفسية إذا رفض البعض الاستجابة إلى
[١] أعجاز: أصول.
[٢] منقعر: منقلع عن مغارسه؛ لأن قعر الشيء قراره، وتقعّر في كلامه إذا تعمّق.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٣١٥.
[٤] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٤٠، بحار الأنوار: ج ١٧، ص ٣٥١.