من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - إن هو إلا وحي يوحى
لقد كان صلى الله عليه واله يتلقى الوحي عبر جبرائيل حينا، وبصورة مباشرة حينا، ولعل أعظم ساعات التلقي كانت حينما رفعه الله إلى مقام قال عنه رفيقه جبرائيل
«مَكَانَكَ يَا مُحَمَّدُ؛ فَلَقَدْ وَقَفْتَ مَوْقِفاً مَا وَقَفَهُ مَلَكٌ قَطُّ ولَا نَبِيٌّ»
حتى لم يبق بينه وبين ربه واسطة، ودنا من الله قربا فكان كما قال الإمام الصادق عليه السلام
«بَيْنَهُمَا حِجَابٌ يَتَلَأْلَأُ يَخْفِقُ، ولَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وقَدْ قَالَ زَبَرْجَدٌ فَنَظَرَ فِي مِثْلِ سَمِّ الإِبْرَةِ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ مِنْ نُورِ العَظَمَةِ»
[١] وكلَّمه تكليما، كما كلَّم موسى بن عمرانعليهما السلام.
وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى يطوف معه جبرائيل وهو على البراق، يصعد من سماء إلى أخرى ينظر إلى آيات الله، ويزداد برؤيتها يقينا وصعودا في آفاق الإيمان حتى بلغ السماء السابعة.
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى حتى بلغ حجب النور، يقول النبي صلى الله عليه واله
«قَالَ لِي جَبْرَئِيلُ: تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ وَ تَخَلَّفَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ تُفَارِقُنِي؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ انْتِهَاءَ حَدِّيَ الَّذِي وَضَعَنِي اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ إِلَى هَذَا المَكَانِ فَإِنْ تَجَاوَزْتُهُ احْتَرَقَتْ أَجْنِحَتِي بِتَعَدِّي حُدُودِ رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ، فَزُخَّ بِي فِي النُّورِ زَخَّةً حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حَيْثُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُلُوِّ مُلْكِهِ» [٢].
ويخالف الفكر الإسلامي الأصيل النظرة الفلسفية، أو ما يسميها البعض بالعرفانية في علاقة الخالق بالمخلوق، فبينما ترى هذه وحدة الوجود وإمكانية الحلول، تعالى الله عما يصفون، تفصل النظرية الإسلامية بين الاثنين، وترى أن الخالق غير المخلوق، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصل الإنسان إلى مقام الربوبية، مهما بلغ من الفضل والعلم والإيمان، بل المجال مفتوح أمام البشر للتكامل في معارج القرب من ربه، أفقا أفقا، ودرجة درجة، دون أن ينتهي ذلك أبدا، لأن
«اللهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللهَ» [٣].
إن القرآن يُقِرُّ رحلة المعراج ودنو النبي صلى الله عليه واله من ربه، ولكنه يعتبره دنوا معنويًّا لا ماديًّا، ويقول إنه صلى الله عليه واله تدلى في علوه، كما الدلو حينما يتأرجح في البئر فلا هو إلى قعره حيث الماء، ولا هو إلى أعلاه حيث الأرض، إنما بين الاثنين، وهكذا سما الرسول الأكرم صلى الله عليه واله حتى ارتفع عن سائر الخلق بقربه من الله، ولكنه لم يصل إلى مقام الربوبية، فهو فوق الخلق ودون الخالق، وفي الخبر عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال عليه السلام
تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
قلت: فلما أُسْرِيَ بِنَبيِّه مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله إلى السَّماءِ؟ قال عليه السلام
لِيُريَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيْهَا مِنْ عَجَائِبِ
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٣٠٦.
[٢] بحار الأنوار: ١٨، ص ٣٤٥.
[٣] الكافي: ج ١، ص ٨٢.