من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - إن هو إلا وحي يوحى
نَصِيراً [الإسراء: ٧٣- ٧٥]، وقوله عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]، والآية الكريمة لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨]. وأشد من ذلك كله قوله تعالى وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين [الحاقة: ٤٤- ٤٧].
وأخيرا: لم يكن النبي يبلِّغ الرسالة للآخرين فقط، بل كان هو يطبقها أيضا، وقبل غيره، بما فيها من واجبات تقتضي أن يخالف الإنسان أقوى منعطفات الهوى، فهو يتقدم المؤمنين في أمر حاسم وخطير كالقتال، أترى لو كان يتبع أهواءه يصنع كل ذلك؟!.
[٥- ٦] وكيف يتبع الرسول هواه، فيُخفي بعض الذي أُنزل عليه، أو يتقول على الله بدافع الشهوة والمصلحة، وهو يعلم ما عنده من البطش والشدة؟
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذو الإرادة المطلقة النافذة في الحياة، وهذه ضمانة لتنفيذ الحق الذي جاء به القرآن وتطبيقه على الحياة.
ذُو مِرَّةٍ أي مطلق العلم والحكمة، مما يجعل الرسالة (الوحي) كاملة دقيقة لا يلحقها نقص ولا عيب، ولأن الرسول كان يتلقى رسالته وعلمه من صاحب هاتين الصفتين فقد تكامل بالتأكيد والعلم الإلهيين ..
فَاسْتَوَى وفي الآية أقوال شتى: فقال الكثير من المفسرين: أن من عَلَّم رسول الله هو جبرائيل الذي هو شديد القوى، وهو أيضا ذو مرة وقد استوى.
وفي كلمة ذُو مِرَّةٍ قال البعض: إن معناها صاحب قوة، وقال آخرون: ذو عقل، وقيل: صاحب خلق حسن. أما عن الاستواء فقال البعض: إن معناه أن جبرائيل استوى هو والرسول، وقال البعض: إن الرسول قد استوى، وقال البعض: بل الله هو الذي استوى على عرش القدرة.
ولعل التفسير الذي اخترناه آنفا هو الأقرب، لأن السياق لا يحدثنا شيئا عن جبرائيل، ثم إن الاستواء الذي يهتم به سياق السورة متصل بالرسول، لأنه يحدثنا عن الرسول وليس عمن علَّمه.
[٧] وبهذا الاتصال أيضا سما النبي محمد صلى الله عليه واله بروحه طهرا وعرفانا وزلفى إلى أفق الحق الأعلى، فصار سيدا لأفضل خلق الله وهم النبيون عليهم السلام، ولقد كان عروجه إلى الله في تلك الرحلة المشهودة تجسيدا لذلك السمو.